اعلام من بلدي (5) - 1.. الشيخ عبدالله المبارك الصباح.. رجل السور والدوله

انتم ال الصباح؛ اسره عريقه الجذور، اصيله المعدن، كريمه المنبت، ضاربه في اعماق التاريخ، عرفها الناس بالمروءه والكرم، وبالوفاء والثبات، وبحسن السيره وطيب الاثر. ومن اجل ذلك ابتدات بكم، ومنكم كانت البدايه؛ فكان اختيار اسره ال الصباح باكوره هذه السلسله اعلام من بلدي، وفاء لاسره ارتبط اسمها بتاريخ الكويت، وكان لها في مسيرتها حضور راسخ واثر ممتد. ولان الاسره الكبيره تعرف برجالها ونسائها، فقد رايت ان تكون البدايه من اعلامها؛ اولئك الذين تركوا في مسيره الكويت بصمات تستحق ان تروي، وسيرا تستحق ان تستعاد، واعمالا جديره بان تبقي في ذاكره الوطن والاجيال. الحلقه الاولي: الطفل الذي حرس السور من السور تبدا الحكايه في تاريخ الكويت رجال ارتبطت اسماؤهم بمرحله، ورجال ارتبطت حياتهم بمسيره وطن باكمله. ومن هؤلاء الشيخ عبدالله المبارك الصباح. لكن حكايه عبدالله المبارك لا تبدا من قصر الحكم، ولا من مكتب نائب الحاكم، ولا من قياده الجيش والامن، تبدا من السور، من الكويت التي كان السور يحيط بها ويحمي اهلها، ومن طفل نشا وهو يري ان حمايه الوطن ليست شعارا، وانما مسؤوليه يحملها الرجال. كان عبدالله المبارك في نحو الثانيه عشره من عمره، حين شارك في حراسه احدي بوابات سور الكويت في عهد الشيخ احمد الجابر الصباح. وتذكر د. سعاد الصباح في كتاباتها عنه ان هذه التجربه المبكره كانت من المحطات، التي عرفته معني المسؤوليه وحب الوطن. طفل في مقتبل العمر، يقف في مكان كان يمثل للكويتيين خط الدفاع الاول عن مدينتهم. ولعل المفارقه الاجمل في قصته ان ذلك الطفل، الذي بدا بحراسه سور الكويت، سيكبر ليصبح واحدا من الرجال الذين تحملوا مسؤوليه حمايه الدوله. الكويت في عهد احمد الجابر لكي نفهم عبدالله المبارك، علينا ان نفهم الكويت التي نشا فيها. كانت الكويت في عهد الشيخ احمد الجابر تعيش بين زمنين، زمن الكويت القديمه؛ الكويت التي صنعتها التجاره والبحر والغوص والفروسيه، والتي كانت روابط اهلها وتكاتفهم جزءا اساسيا من امنها، وزمن جديد بدات ملامحه تظهر تدريجيا؛ زمن الاداره الحديثه، وتوسع مسؤوليات الدوله، وتغير مصادر الثروه والقوه، والحاجه الي مؤسسات اكثر تنظيما. وفي هذه البيئه نشا عبدالله المبارك، فلم يكن بعيدا عن الكويت القديمه، بل كان ابنها، يحمل قيمها في الشجاعه والفروسيه والنجده والوفاء، لكنه في الوقت نفسه كان من الجيل، الذي سيدخل بالكويت الي عالم جديد. وهنا تبرز اهميه ما قدمته د. سعاد الصباح في «صقر الخليج»؛ فهي لا تقرا عبدالله المبارك بوصفه رجل منصب فقط، وانما بوصفه شخصيه جمعت بين اصاله المجتمع الكويتي وروح التحديث. طفل يتعلم معني المسؤوليه قد تبدو قصه حراسه السور حادثه صغيره في حياه رجل عاش بعد ذلك حياه حافله بالاحداث. لكنها، في الحقيقه، تحمل دلاله كبيره. فالطفل الذي يقف علي بوابه السور يتعلم شيئا يتجاوز مجرد الحراسه. يتعلم ان هناك وطنا يجب ان يحميه، وان المسؤوليه لا ترتبط بالعمر بقدر ما ترتبط بالشعور بالواجب. وفي الكويت القديمه لم تكن حمايه المدينه وظيفه مؤسسه امنيه بالمعني الحديث؛ كان اهل الكويت انفسهم جزءا من منظومه الحمايه، وكان السور وبواباته وابراج المراقبه رمزا لتكاتف المجتمع. ومن هنا يمكن ان نفهم كيف بدات تتشكل في عبدالله المبارك شخصيه الرجل، الذي يحمل المسؤوليه قبل ان يحمل المنصب. من حراسه السور الي حراسه الامن كبر عبدالله المبارك، واتسعت مسؤولياته، لم يبق عند السور، بل انتقل الي ميدان العمل العام، وتولي مسؤوليات في الامن العام، وارتبط اسمه بمواجهه التهريب وتنظيم الامن، ثم اصبح مع مرور السنوات واحدا من ابرز رجال الامن والاداره في الكويت، وهنا حدث التحول الكبير. لم يعد المطلوب ان يحمي الرجل مدينه يحيط بها سور، بل اصبح المطلوب ان يبني جهازا امنيا قادرا علي حمايه مجتمع تتغير طبيعته وتتسع مسؤوليات دولته، وهكذا انتقلت تجربه عبدالله المبارك من حراسه المكان الي حمايه المجتمع، ثم ستنتقل لاحقا الي مرحله اكبر: بناء مؤسسات الدوله نفسها. الكويت تكبر.. ومسؤوليات عبدالله المبارك تكبر لم تكن الكويت ثابته، كان النفط يفتح ابوابا جديده، وكانت الحياه الاجتماعيه والاقتصاديه تتغير، وكانت الدوله تتوسع في التعليم والخدمات والاداره. وكان لابد ان تتغير ادوات الحمايه ايضا. فالبلد الذي كان يحميه السور اصبح بحاجه الي الجيش والشرطه والطيران والمؤسسات الحديثه. وفي هذه المرحله برز عبدالله المبارك بصوره اوضح. تولي مسؤوليات واسعه في الامن والدفاع، واسهم في تطوير القوات المسلحه، وارتبط اسمه بالطيران، كما امتدت اهتماماته الي التعليم والاذاعه والرياضه والثقافه وغيرها من مجالات الحياه العامه. وهنا نكتشف ان قصه عبدالله المبارك ليست قصه رجل امن فقط، انها قصه رجل ادرك ان حمايه الوطن لا تكون بالسلاح وحده، وانما ببناء مؤسسات قويه ومجتمع متعلم ودوله قادره علي اداره مستقبلها. من احمد الجابر الي عبدالله السالم عاش عبدالله المبارك مرحلتين مهمتين من تاريخ الكويت. في عهد الشيخ احمد الجابر، شهد بدايات التحول الكبير. وفي عهد الشيخ عبدالله السالم، شارك في مرحله بناء الدوله الحديثه والاستعداد للاستقلال. وفي عام 1950، تولي الشيخ عبدالله السالم الحكم، ثم اصبح عبدالله المبارك نائبا للحاكم، فدخل الاثنان مرحله تاريخيه شديده الاهميه. وهنا تاتي اهميه كتاب د. سعاد الصباح «الشيخان»؛ اذ تنظر الي الرجلين ضمن سياق واحد، وتبرز تكامل الادوار بين الشيخ عبدالله السالم، قائد المشروع السياسي، والشيخ عبدالله المبارك، الذي حمل جانبا واسعا من اعباء الاداره والامن والمؤسسات. لم تكن الكويت تبني برجل واحد، بل كان هناك قائد يقود المسار السياسي، ورجال يحملون معه اعباء البناء والتنفيذ. وكان عبدالله المبارك احد ابرز هؤلاء الرجال. السور الذي سقط.. والوطن الذي بقي وهنا نعود الي نقطه البدايه. ذلك السور الذي وقف عنده عبدالله المبارك طفلا لم يعد موجودا. سقط السور، واتسعت الكويت، وتغيرت المدينه، وتغيرت الدوله. لكن المعني الذي مثله السور بقي. حمايه الكويت غير ان مفهوم الحمايه نفسه تغير. في طفولته كان يحرس بوابه، وفي رجولته اصبح مسؤولا عن اجهزه ومؤسسات، ثم اصبح نائبا للحاكم، يحمل مسؤوليه دوله تتجه نحو الاستقلال وتبني مؤسساتها الحديثه. وهكذا يمكن ان نقرا حياه عبدالله المبارك بوصفها انتقالا من كويت السور الي كويت الدوله. ومن هنا جاء عنوان هذه السلسله: عبدالله المبارك.. رجل السور والدوله. لم يكن السور نهايه قصته، كان بدايتها. كبر الطفل.. وكبرت معه الكويت، وفي تلك الصوره القديمه، طفل يقف علي سور الكويت، يمكن ان نري بدايه رجل سيترك اثرا اكبر من عمره الاول بكثير. لم يكن الطفل يعلم ان الايام ستضع علي كتفيه مسؤوليات دوله، ولم يكن يعلم ان الكويت، التي يحرس بوابتها، ستصبح دوله حديثه ذات مؤسسات. لكن شيئا واحدا ظل ثابتا: الاحساس بان الكويت امانه. وهذا ربما هو اجمل ما يمكن ان نبدا به قصه عبدالله المبارك، لم يبدا رجل دوله، بدا طفلا، لم يبدا من قاعه الحكم، بدا عند السور، ثم كبر الطفل، وكبرت معه الكويت. الزبده 1. نشا الشيخ عبدالله المبارك في عهد الشيخ احمد الجابر، في مرحله كانت الكويت فيها تنتقل من مجتمع تقليدي الي مرحله جديده من التحول والتحديث. 2. شارك عبدالله المبارك في سن مبكره، نحو الثانيه عشره، في حراسه سور الكويت، فكانت تجربته المبكره مع معني المسؤوليه وحمايه الوطن. 3. كان سور الكويت اكثر من بناء يحيط بالمدينه؛ كان رمزا لامنها وتكاتف اهلها ودفاعهم عن وطنهم. 4. حمل عبدالله المبارك منذ نشاته قيم الشجاعه والفروسيه والنجده وتحمل المسؤوليه، وهي قيم سترافقه في حياته العامه. 5. انتقل من حراسه السور الي العمل في الامن العام، واتسعت مسؤولياته مع اتساع الدوله وتطور مؤسساتها. 6. لم يتعامل مع الامن بوصفه حمايه عسكريه فقط، بل ارتبط دوره ببناء مؤسسات الدوله الحديثه وتطوير ادواتها. 7. اسهم في مجالات الامن والدفاع والجيش والطيران، وامتد اهتمامه الي التعليم والاذاعه والرياضه والثقافه وغيرها من مجالات النهضه. 8. في عهد الشيخ عبدالله السالم اصبح عبدالله المبارك نائبا للحاكم، وحمل جانبا واسعا من اعباء اداره الدوله في مرحله حاسمه من تاريخ الكويت. 9. تكشف سيرته عن التحول الكبير الذي عاشته الكويت: من مدينه يحميها السور الي دوله تحميها المؤسسات. 10. بدات قصه عبدالله المبارك طفلا يحرس سور الكويت، ثم كبر ليصبح رجلا يسهم في حمايه الدوله وارساء مؤسساتها والسعي الي رفعتها. كبر الطفل.. وكبرت معه الكويت. د. عبدالحميد خليفه الشايجي
نشر حلقة من سلسلة اعلام من بلدي عن الشيخ عبدالله المبارك الصباح