اعلام من بلدي (3) الشيخ احمد الجابر الصباح… الامير الذي قاد الكويت الي الدوله الحديثه

انتم ال الصباح؛ اسره عريقه الجذور، اصيله المعدن، كريمه المنبت، ضاربه في اعماق التاريخ، عرفها الناس بالمروءه والكرم، وبالوفاء والثبات، وبحسن السيره وطيب الاثر. ومن اجل ذلك ابتدات بكم، ومنكم كانت البدايه؛ فكان اختيار اسره ال الصباح باكوره هذه السلسله اعلام من بلدي، وفاء لاسره ارتبط اسمها بتاريخ الكويت، وكان لها في مسيرتها حضور راسخ واثر ممتد. ولان الاسره الكبيره تعرف برجالها ونسائها، فقد رايت ان تكون البدايه من اعلامها؛ اولئك الذين تركوا في مسيره الكويت بصمات تستحق ان تروي، وسيرا تستحق ان تستعاد، واعمالا جديره بان تبقي في ذاكره الوطن والاجيال. الحلقه الثانيه: من الشوري الي النفط في الحلقه التمهيديه، توقفنا عند الكويت التي تسلمها الشيخ احمد الجابر الصباح سنه 1921: بلد صغير في مساحته، كبير في موقعه، يعتمد علي البحر والتجاره والغوص، ويقف علي عتبه تحول سيغير وجهه الي الابد. وفي الحلقه الاولي، اقتربنا من الرجل قبل الاماره؛ من نشاته في بيت الشيخ مبارك الكبير، وصلته بوالده الشيخ جابر المبارك وعمه الشيخ سالم المبارك، وصحبته المبكره بالملك عبد العزيز بن عبد الرحمن ال سعود، حتي اصبح في السادسه والثلاثين اميرا للكويت. اما الان، فتبدا مرحله الاختبار الحقيقي: كيف قاد الشيخ احمد الجابر الكويت في سنوات الشده، وبدا معها بناء ملامح الدوله الحديثه؟ اولا: اماره في زمن التحديات تسلم الشيخ احمد الجابر الحكم والكويت بلا مورد نفطي، وكانت حياتها الاقتصاديه تقوم اساسا علي البحر والتجاره والغوص علي اللؤلؤ. ثم تتابعت الضغوط؛ فتراجعت تجاره اللؤلؤ الطبيعي، وتاثرت حركه التجاره، واصابت الازمه الاقتصاديه العالميه في ثلاثينيات القرن العشرين مصادر الرزق والدخل. ولم تكن ازمه اقتصاديه عابره؛ فقد مست الغواصين والنواخذه والتجار واصحاب المهن المرتبطه بالبحر. وكان علي الشيخ احمد الجابر ان يحافظ علي تماسك المجتمع، وان يبحث في الوقت نفسه عن ابواب جديده للمستقبل. ثانيا: الشوري وبدايات بناء المؤسسات لكن بناء الدوله لم يبدا بالنفط. فالكويت كانت تمتلك تقليدا راسخا في التشاور، وعلاقه مباشره بين الحاكم واهل البلاد. وفي سنه 1921 انشئ مجلس الشوري، ثم تطورت الحياه العامه مع انشاء البلديه وانتخاب مجلسها، وتاسيس مجلس المعارف سنه 1936، ثم المجلس التشريعي سنه 1938. ولم تكن هذه التجارب مؤسسات مكتمله بالصوره التي عرفتها الكويت لاحقا، لكنها كانت خطوات مهمه في طريق تنظيم الحياه العامه، وتعكس مجتمعا اعتاد المشاركه والتشاور في شؤونه. فان الدوله الحديثه في الكويت لم تظهر فجاه مع النفط؛ بل كان لها جذر اجتماعي وسياسي سابق علي الثروه النفطيه. ثالثا: السياسه في زمن التحولات الاقليميه وكانت الكويت تتحرك في محيط اقليمي شديد الحساسيه، تتغير فيه الحدود وموازين القوي بعد الحرب العالميه الاولي. وفي هذا السياق جاء مؤتمر العقير سنه 1922، الذي ارتبط بترتيبات الحدود والعلاقات بين نجد والعراق والكويت. وكان علي الشيخ احمد الجابر ان يحافظ علي مصالح الكويت، وان يدير علاقاتها بحكمه، وان يدرك ان صغر مساحه البلاد لا يعني صغر مسؤوليتها. فحمايه الكويت لم تكن بالقوه وحدها، وانما بالحكمه السياسيه، وحسن اداره العلاقات، والقدره علي قراءه التحولات من حولها. رابعا: التعليم والاداره والخدمات ومع مرور السنوات، اخذت الكويت تنتقل تدريجيا من اداره مجتمع تقليدي الي اداره دوله تتسع وظائفها. فكان التعليم في مقدمه ابواب التغيير؛ من المدارس الاهليه والمدرسه المباركيه الي انشاء مجلس المعارف سنه 1936، ثم اتساع التعليم النظامي. كما تطورت الاداره والخدمات العامه، وظهرت بدايات اكثر تنظيما في مجالات البلديه والصحه وغيرها. ولم تكن هذه المشاريع منفصله؛ فالتعليم والاداره والصحه كانت لبنات اولي في بناء دوله ستحتاج، عندما تاتي الثروه، الي الانسان المتعلم والمؤسسه القادره علي اداره التحول. خامسا: الحرب والتموين ثم جاءت الحرب العالميه الثانيه، فواجهت الكويت تحديا اقتصاديا جديدا؛ تاثرت التجاره والامدادات، وارتفعت الاسعار، واشتد نقص بعض السلع الاساسيه. وفي مواجهه ذلك، انشئت دائره التموين سنه 1942، ونظم توزيع المواد الاساسيه بنظام البطاقات، بما ساعد علي توفير احتياجات الناس من السلع الضروريه، وتخفيف اثار الغلاء والنقص. وكانت تلك التجربه شاهدا مبكرا علي اتساع مسؤوليه الدوله؛ فلم يعد دورها مقتصرا علي اداره الشان العام، بل بدات تتدخل لحمايه المجتمع في اوقات الازمات. سادسا: فلسطين وروح التضامن وفي نهايه عهد الشيخ احمد الجابر وقعت نكبه فلسطين سنه 1948، فكانت الكويت، رغم محدوديه مواردها انذاك، جزءا من الموقف العربي والاسلامي المساند للشعب الفلسطيني. وسبق النكبه نشاط شعبي كويتي في نصره فلسطين وجمع التبرعات، ثم استمر التضامن مع الفلسطينيين الذين قدموا الي الكويت في السنوات اللاحقه. وهكذا لم يكن بناء الكويت اقتصاديا واداريا فقط، بل حمل ايضا روحا عربيه وانسانيه و اسلاميه متجذره . سابعا: من ازمه اللؤلؤ الي النفط ومع اشتداد الازمه الاقتصاديه، اصبح البحث عن مورد جديد ضروره للمستقبل. وفي 23 ديسمبر 1934 وقعت اتفاقيه امتياز النفط، وبدات اعمال المسح والتنقيب والحفر. ثم جاء عام 1938 بالخبر الذي سيغير تاريخ الكويت: اكتشاف النفط بكميات تجاريه في حقل برقان. لكن اكتشاف النفط لم يكن نهايه القصه؛ فقد عطلت الحرب العالميه الثانيه جانبا من عمليات التطوير، وتاجلت الاستفاده التجاريه الواسعه من النفط الي ما بعد الحرب. وهنا تتضح قيمه عهد الشيخ احمد الجابر: لقد كان يبني الطريق قبل ان تصل الكويت الي الثروه. فقد تسلم الكويت في زمن اقتصاد البحر، وواجه انهيار تجاره اللؤلؤ، وشهد تطور مؤسساتها، ودعم التعليم والخدمات، وادار ازمات الحرب، وقاد البلاد الي توقيع امتياز النفط ثم اكتشاف حقل برقان. وفي سنه 1938 كان النفط قد اكتشف، لكن الكويت لم تدخل بعد عصر النفط فعليا. وهنا نصل الي السؤال الذي ستجيب عنه الحلقه الثالثه: ماذا يحدث عندما يتحول النفط من اكتشاف تحت الارض الي ثروه تبني دوله؟ الزبده 1. تولي الشيخ احمد الجابر الحكم سنه 1921 في كويت تعتمد علي البحر والتجاره والغوص، وتواجه ظروفا اقتصاديه صعبه. 2. واجه تراجع تجاره اللؤلؤ وتداعيات الازمه الاقتصاديه العالميه، وحافظ علي تماسك المجتمع في مرحله شديده القسوه. 3. شهد عهده بدايات تنظيم الحياه العامه، من مجلس الشوري والبلديه الي مجلس المعارف والمجلس التشريعي. 4. تطورت في عهده مجالات التعليم والاداره والخدمات، بوصفها لبنات اساسيه في طريق بناء الدوله الحديثه. 5. واجهت الكويت خلال الحرب العالميه الثانيه نقص الامدادات وارتفاع الاسعار، فانشئت دائره التموين سنه 1942 لتنظيم توزيع المواد الاساسيه. 6. شهد عهده نكبه فلسطين سنه 1948، وبرز التضامن الكويتي مع الشعب الفلسطيني في اطار عربي وانساني اصيل. 7. وقعت اتفاقيه امتياز النفط سنه 1934، ثم اكتشف النفط بكميات تجاريه في حقل برقان سنه 1938، لتقف الكويت علي عتبه التحول الاكبر في تاريخها الحديث. د. عبد الحميد الشايجي