اللغه وطن

تمر في حياه الانسان شخصيات لا تقف عند حدود الزمان، وانما تصنع في داخله رؤيه للحياه، وتغرس فيه قيمه تبقي ما بقي العمر. ومن هؤلاء استاذ الادب الدكتور عبداللطيف الخطيب، رحمه الله، الذي تتلمذت علي يديه في كليه التربيه الاساسيه، قسم اللغه العربيه. كان يغرس في نفوسنا ان «العربيه» ليست ماده دراسيه، وانما وطن يسكن الانسان قبل ان يسكنه. كان يكرر علينا مقوله الرافعي «شيخ العربيه»: «ما ذلت لغه شعب الا ذل، ولا انحطت الا كان امره في ذهاب وادبار». عز اللغات مقياس لرفعه المجتمعات؛ قانون من قوانين التاريخ والحضاره. للغه فلسفه عميقه في تشكيل عقولنا، وتربيه ضمائرنا، وتحديد شخصيتنا. اللغه في جوهرها المراه التي تعكس حركه الروح، والجسر الذي يصل الحاضر بالماضي، ويربط الاحياء بمن سبقهم من العظماء. ومن يهمل لغته لا يفقد وسيله للتعبير فحسب، بل يخسر جزءا من ذاكرته، ويترك هويته نهبا لرياح التبعيه والاغتراب او الفراغ. ولذلك لم يكن من قبيل المصادفه ان يكون اول ما يستهدفه المستعمرون في الهيمنه علي الشعوب المغلوبه هو اضعاف لغتها او تشويهها، والحط منهجيا من منزلتها. يدرك الاعداء ان احتلال الارض قد يزول يوما، اما اذا استعمرت العقول، وتبدلت الالسنه، وانقطعت الصله بالتراث، فان الهزيمه تصبح اعمق من ان تقاس بحدود الجغرافيا. ومن المفارقات ان دراسه اللغه العربيه اصبحت، في بعض المؤسسات التعليميه الحكوميه، تندرج تحت باب التخصصات النادره بمعني ان هناك مكافاه ماليه لتشجيع الدارسين! من الجميل ان يتعلم ابناؤنا وبناتنا اكثر من لغه، فاللغات الاخري توسع مدي مداركهم، وتفتح لهم افاقا جديده لا سيما معرفه ثقافه الاخر. لكن اتقان «الانجليزيه» لا ينبغي ان يكون علي حساب «العربيه»؛ فكما نشجع ابناءنا علي التحدث بـ«الانجليزيه»، علينا ان نشجعهم بالقدر نفسه علي التحدث بلغتهم الام، والاعتزاز بها، والاستمتاع بروائعها. ان اكتساب اكثر من لغه فيه ثراء للذهن. ان انصرف الابناء عن الاقبال علي لغه القران الكريم، وعن لغه الحضاره التي انارت الدنيا قرونا، فباي لسان سيقرؤون تراثهم؟ وباي وعي سيحملون رسالتهم؟ وماذا سيكون ربيع قلوبهم؟ ان هيبه اللغه العربيه تعود للصداره حين تصبح الفصحي لغه الحياه، والعلوم، والاعلام، والمسرح، والاغنيه الراقيه، والاسره، قبل ان تكون لغه الامتحانات المدرسيه والجامعيه. وصف المؤرخ الامريكي الاصل ريتشارد مورتيل ان «اللغه العربيه افضل من اي لغه اخري ولا اتقبل النقاش في هذه المساله»، لانها وسعت كلمات القران الكريم، ومن باب اولي تسع سائر الابداعات البشريه. قال امير الشعراء احمد شوقي: وصن لغه يحق لها الصيان... فخير مظاهر الامم البيان اللغه العاميه لا تشغب علي الفصحي، فالامر يسع هذه الثنائيه، بل قد يدل علي جمال التنوع، ولكننا من الخليج الي المحيط بحاجه الي المزيد من توظيف لغتنا الفصحي في جميع الميادين، فالفصحي اصل، والعاميه فرع. واجدني في غايه الانبهار والحماس عندما اشاهد لقطات للمعلقين العرب في المباريات الرياضيه وهم يتفننون بوصف اللقطات الكرويه النادره بعبارات فصيحه نديه تخاطب العاطفه، وتلامس اعماق العقل والوجدان، فيزداد الجمال جمالا. ومن هنا يثور سؤال متكرر: كيف نخدم لغتنا الجميله بما يتلاءم مع عصرنا؟ خلف السابقون – عبر القرون- ارثا شعريا ونثريا رفيع المستوي، وينبض بالحكمه، ويفيض بالجمال، ويربي الذوق، وكثير منها سلك طريقه للعرض علي خشبه المسرح، وعالم الموسيقي. كنا في صغرنا، والي اليوم، نجد في الحان وكلمات ام كلثوم، وطلال مداح، وعبدالحليم حافظ، وناظم الغزالي، وفيروز وغيرهم قصائد نحفظها ونرددها، ونستمع لها بلا ملل، بل محفوظاتنا موضع انسنا في وحدتنا، وصبغت ثقافتنا. نتطلع الي مزيد من الاهتمام باللغه العربيه، وتسخير الاعلام والتقنيات الحديثه المبهره في نشر لغتنا الجميله، عبر تقديمها للاجيال في قوالب فنيه راقيه تواكب العصر، وتعين علي تدفق العلوم، وتبعدها عن الجمود او التعقيد. ا. د. لطيفه حسين الكندري