اعلام من بلدي (4) - 5 .. الشيخ عبدالله السالم الصباح.. رائد الاستقلال وباني الدوله الدستوريه

انتم ال الصباح؛ اسره عريقه الجذور، اصيله المعدن، كريمه المنبت، ضاربه في اعماق التاريخ، عرفها الناس بالمروءه والكرم، وبالوفاء والثبات، وبحسن السيره وطيب الاثر. ومن اجل ذلك ابتدات بكم، ومنكم كانت البدايه؛ فكان اختيار اسره ال الصباح باكوره هذه السلسله اعلام من بلدي، وفاء لاسره ارتبط اسمها بتاريخ الكويت، وكان لها في مسيرتها حضور راسخ واثر ممتد. ولان الاسره الكبيره تعرف برجالها ونسائها، فقد رايت ان تكون البدايه من اعلامها؛ اولئك الذين تركوا في مسيره الكويت بصمات تستحق ان تروي، وسيرا تستحق ان تستعاد، واعمالا جديره بان تبقي في ذاكره الوطن والاجيال. الحلقه الخامسه والاخيره: عبدالله السالم... الرجل الذي رحل وبقيت الدوله في الحلقه الاولي، وقفنا امام رجل ولد والكويت في زمن الحمايه. وفي الثانيه، رايناه يتعامل مع النفط لا بوصفه ثروه فحسب، بل فرصه لبناء دوله. وفي الثالثه، شهدنا معه يوم 19 يونيو 1961، حين استعادت الكويت سيادتها. وفي الرابعه، وصلنا الي دستور 1962، حين انتقل الاستقلال من سياده الدوله الي سياده القانون. اما في هذه الحلقه الاخيره، فلا نسال: ماذا فعل عبدالله السالم؟ بل نسال السؤال الاهم: ماذا ترك عبدالله السالم للكويت بعد ان رحل؟ اولا : من حاكم الي صاحب مشروع حين تولي الشيخ عبدالله السالم الحكم سنه 1950، كانت الكويت تدخل مرحله جديده من تاريخها. كان النفط قد بدا يغير ملامح البلاد، والسكان يتزايدون، واجهزه الدوله تتوسع، والعالم من حول الكويت يتغير بسرعه. وكان امام الامير خياران:ان يدير مرحله الثراء… او ان يبني دوله تستطيع ان تعيش بعد الثراء. فاختار الطريق الثاني. لم ينظر الي النفط باعتباره غايه، وانما باعتباره وسيله لبناء الانسان، وتطوير التعليم والصحه والخدمات والاداره، وتاسيس مؤسسات الدوله الحديثه. وهنا تكمن قيمه عبدالله السالم: لم يكن يبني دوله في عهده فقط، بل كان يبني دوله تستمر بعد عهده. ثانيا : الاستقلال والدستور… مشروع واحد لهذا لم يكن استقلال الكويت في 19 يونيو 1961 حدثا منفصلا عن دستور 1962.فقد كانا مرحلتين في مشروع واحد. في الاولي استعادت الكويت قرارها وسيادتها. وفي الثانيه نظمت هذا القرار داخل مؤسسات وقواعد دستوريه. وفي 11 نوفمبر 1962 صدق الشيخ عبدالله السالم علي الدستور، الذي جاء ليؤسس دوله تقوم علي الدستور والقانون، وتحدد العلاقه بين السلطات، وتصون الحقوق والحريات. ثم جاءت اول انتخابات لمجلس الامه في يناير 1963، لتبدا مرحله جديده من الحياه النيابيه الكويتيه. وهكذا اكتمل المشهد: دوله مستقله… ثم دوله دستوريه… ثم دوله مؤسسات. رجال حملوا معه مسؤوليه المرحله. لكن الدوله لا يصنعها رجل واحد. وهنا تظهر اسماء رجال كان لهم حضور بارز في مرحله التحول الكبري. ومن ابرزهم الشيخ عبدالله المبارك الصباح؛ الذي اسهم لسنوات في بناء اجهزه الامن والدفاع، وتولي رئاسه قوه الدفاع المسلحه بعد استقلالها عن دائره الامن العام سنه 1959، فكان جزءا مهما من بناء القوه المؤسسيه للدوله الناشئه. كان الشيخ عبدالله المبارك رجل مرحله التاسيس الامني والعسكري؛ مرحله كانت الكويت فيها بحاجه الي ان تبني دوله قادره علي حمايه سيادتها. ولهذا فان قصه الشيخ عبدالله السالم لا تكتمل من دون التوقف عند رجال عملوا الي جانبه، ثم مضي كل واحد منهم الي فصل اخر من تاريخ الكويت. ومن هؤلاء ايضا الشيخ صباح السالم الصباح. فقد عينه الشيخ عبدالله السالم وليا للعهد في اكتوبر 1962، ثم تولي رئاسه مجلس الوزراء في العهد الدستوري ابتداء من عام 1963، وكان رئيسا للحكومه خلال السنوات الاخيره من عهد عبدالله السالم. وهكذا كان صباح السالم في قلب المرحله التي انتقلت فيها الكويت من عهد الاستقلال الي عهد المؤسسات الدستوريه. ثم لم يمض وقت طويل حتي اصبح هو نفسه اميرا للكويت بعد وفاه عبدالله السالم في 24 نوفمبر 1965. انها سنه التاريخ: جيل يؤسس، وجيل يكمل، وجيل يحمل الامانه الي الجيل الذي بعده. 24 نوفمبر 1965… رحل الرجل . وفي 24 نوفمبر 1965، انتهت حياه عبدالله السالم. رحل الامير الذي امضي خمسه عشر عاما علي راس الكويت. رحل الرجل الذي شهد انتقال بلاده من مرحله الحمايه الي الاستقلال، ومن دوله محدوده المؤسسات الي دوله دستوريه. لكن الكويت لم تتوقف. وهنا تظهر عظمه المشروع. فالمشروعات الشخصيه تموت بموت اصحابها. اما مشروعات الدوله، فاذا قامت علي المؤسسات، فانها تستمر. رحل عبدالله السالم… وبقيت الكويت. رحل الرجل، وبقي الاستقلال. رحل الحاكم، وبقي الدستور. غاب صاحب المشروع، وبقيت مؤسسات الدوله التي اراد لها ان تستمر من بعده. ماذا بقي من عبدالله السالم؟ بقيت اشياء كثيره. بقيت في الكويت فكره ان الاستقلال ليس مجرد علم يرفرف، وانما سياده وقرار. وبقيت فكره ان الثروه لا قيمه لها ان لم تتحول الي بناء الانسان. وبقي الدستور شاهدا علي ان السلطه يمكن ان تتحول من مسؤوليه فرد الي نظام مؤسسات. وبقي مجلس الامه شاهدا علي انتقال الكويت الي مرحله جديده من المشاركه السياسيه. وبقيت في الذاكره الكويتيه صوره رجل ادرك ان اعظم ما يمكن ان يتركه الحاكم لوطنه ليس اسمه علي شارع، ولا صورته في ديوان، وانما دوله قويه تستمر بعد رحيله. عبدالله السالم… اكثر من اسم ولهذا حين نذكر عبدالله السالم، لا ينبغي ان نتذكره فقط بوصفه امير الاستقلال.بل نتذكره بوصفه رجل الدوله الذي جمع بين الاستقلال والبناء والدستور. كان يستطيع ان يجعل الاستقلال نهايه مشروعه. لكنه جعله بدايه مشروع اكبر. وكان يستطيع ان يحتفظ بالسلطه في اطارها التقليدي. لكنه اختار ان يضعها داخل اطار دستوري ومؤسسي. وكان يستطيع ان يبني دوله تعتمد علي شخصه. لكنه ترك دوله تعتمد علي مؤسساتها. وهنا تكمن عظمه الرجل. الخاتمه في بدايه هذه السلسله، كان عبدالله السالم طفلا في نحو الرابعه من عمره حين وقعت اتفاقيه 1899. وبعد اكثر من سته عقود، كان هو الامير الذي انهي مرحله الحمايه واعلن استقلال الكويت. ثم لم يكتف بالاستقلال، بل دفع البلاد نحو الدستور والمؤسسات. وهكذا اختصر عبدالله السالم في حياته رحله الكويت من زمن الحمايه الي زمن السياده، ومن السياده الي زمن الدستور. رحل في 24 نوفمبر 1965. لكن الرجل لم يرحل كله. ترك وراءه وطنا يحمل مشروعه. ولهذا فان اعظم ما يمكن ان نقوله في ختام هذه السلسله: رحل عبدالله السالم… لكن الكويت لم تفقد الطريق. بل بقي الطريق واضحا: استقلال يحفظ السياده. ودستور يحفظ الدوله. ومؤسسات تحفظ المستقبل. ورجال يحملون الرايه من جيل الي جيل. ومن هنا، لا تنتهي الحكايه. فبعد عبدالله السالم، نفتح صفحه رجل اخر من رجال الكويت الذين شاركوا في صناعه مرحله الدوله الحديثه: الشيخ عبدالله المبارك الصباح. رجل الامن والدفاع، واحد ابرز رجال بناء القوه المؤسسيه للكويت. ثم نواصل الرحله مع رجل حمل امانه الحكم بعد عبدالله السالم: و هو الشيخ صباح السالم الصباح. وهكذا تبقي الكويت هي الحكايه الكبري… ويبقي رجالها فصولا مضيئه في تاريخها. الزبده 1. عبدالله السالم لم يكن امير استقلال فقط؛ بل كان رجل مشروع دوله. 2. حول ثروه النفط الي فرصه لبناء الانسان والمؤسسات. 3. جعل الاستقلال بدايه لبناء الدوله، لا نهايه للمشروع. 4. نقل الكويت من مرحله السياده الي مرحله الدوله الدستوريه. 5. كان عبدالله المبارك من ابرز رجال بناء الامن والدفاع في مرحله تاسيس الدوله الحديثه. 6. وكان صباح السالم في قلب المرحله الدستوريه، وليا للعهد ورئيسا لمجلس الوزراء في السنوات الاخيره من عهد عبدالله السالم. 7. رحل عبدالله السالم في 24 نوفمبر 1965، لكن مؤسسات الدوله بقيت. 8. اعظم ارث للحاكم ليس ما يحمل اسمه، وانما ما يستمر بعد رحيله. 9. استقلال الكويت كان انجازا، والدستور كان تاسيسا، والمؤسسات كانت ارثا. 10. ولهذا بقي عبدالله السالم في ذاكره الكويت لا باعتباره رجلا من الماضي، بل باعتباره رجلا اسس للمستقبل. د. عبد الحميد خليفه الشايجي
انتم ال الصباح؛ اسره عريقه الجذور، اصيله المعدن، كريمه المنبت، ضاربه في اعماق التاريخ، عرفها الناس بالمروءه والكرم، وبالوفاء والثبات، وبحسن السيره وطيب الاثر. ومن اجل ذلك ابتدات بكم، ومنكم كانت البدايه؛ فكان اختيار اسره
الحدث: تأسيس الدولة الدستورية في الكويت