اعلام من بلدي (4)

الشيخ عبدالله السالم الصباح.. رائد الاستقلال وباني الدوله الدستوريه الحلقه الاولي: الرجل الذي تسلم الرايه لم تكن سنه 1950 سنه عابره في تاريخ الكويت، ففيها رحل الشيخ احمد الجابر الصباح، بعد ان قاد البلاد قرابه ثلاثه عقود، شهدت خلالها الكويت تحولا عميقا: من اقتصاد البحر واللؤلؤ والتجاره، الي بدايات الدوله المنظمه، ثم الي عصر النفط، الذي بدا يغير وجه البلاد وموقعها. وفي ذلك العام انتقلت الرايه الي رجل لم يكن غريبا عن شؤون الدوله، ولا جديدا علي الحياه العامه، فقد عاش تحولات الكويت السياسيه والاداريه، وشارك مبكرا في احدي اهم تجاربها التشريعيه. انه الشيخ عبدالله السالم الصباح. فمن هو الرجل الذي تسلم الرايه؟ وما الذي كانت الكويت تنتظره منه؟ من رجل المرحله الي قائد المرحله لم يبدا حضور الشيخ عبدالله السالم الصباح في الحياه العامه يوم اصبح اميرا. ففي سنه 1938 شهدت الكويت تجربه سياسيه مهمه، حين انشئ المجلس التشريعي الاول، وانتخب اربعه عشر عضوا من بين عشرين مرشحا، واختير الشيخ عبدالله السالم رئيسا للمجلس. وقد انجز المجلس عددا من التشريعات، ووضع مشروع القانون الاساسي للكويت، قبل ان يحل في العام نفسه. وليس هذا التفصيل هامشيا في سيره الشيخ عبدالله السالم؛ فهو يكشف ان الرجل، الذي سيعرف لاحقا بـ«ابي الدستور»، كان قد عرف، قبل ان يتولي الحكم بسنوات طويله، معني المجلس والتشريع وتنظيم شؤون الدوله، وادرك مبكرا ان المجتمع ليس متلقيا للقرار فحسب، بل هو شريك في صناعه مؤسساته. ثم توالت مسؤوليات الشيخ عبدالله السالم في الدوله، حتي جاءت سنه 1950، فانتقل من موقع المشاركه في شؤون الدوله الي موقع قياده الدوله نفسها. وفي الخامس والعشرين من فبراير 1950، تسلم الشيخ عبدالله السالم مقاليد الحكم، بعد وفاه الشيخ احمد الجابر. وهكذا لم يتسلم الشيخ عبدالله السالم الكويت من فراغ؛ بل تسلم دوله كانت قد قطعت شوطا في طريق التكوين، وكانت تقف في الوقت نفسه امام تحول اقتصادي وسياسي هائل. الكويت التي تسلمها الشيخ عبدالله السالم كانت الكويت سنه 1950 مختلفه عن الكويت، التي عرفها الاباء قبل عقود. فالنفط الذي اكتشف في عهد الشيخ احمد الجابر، وبدا تصديره تجاريا سنه 1946، اخذ يفتح امام الدوله ابوابا جديده؛ فتزايدت مواردها، واتسعت قدرتها علي تطوير التعليم والصحه والاداره والخدمات، وبدا المجتمع يستعد لتحول اقتصادي واجتماعي لم تعرف الكويت مثله من قبل. لكن النفط لم يكن وحده هو الجديد. فالدوله نفسها كانت قد بدات تتشكل، فكانت هناك تجارب انتخابيه ومؤسسات اداريه، منها المجلس البلدي، ومجلسا المعارف والصحه، والمجلس التشريعي سنه 1938. غير ان هذه اللبنات كانت لا تزال بحاجه الي ان تنتقل من مرحله التجربه الي مرحله الدوله الحديثه، وهنا بدات مهمه الشيخ عبدالله السالم. لم يكن السؤال امامه: كيف يحكم الكويت؟ بل كان السؤال الاكبر: كيف يبني الكويت التي ستعيش بعده؟ من الثروه الي الدوله كان النفط يمنح الكويت قدره ماليه غير مسبوقه، لكن المال وحده لا يصنع دوله، فالثروه تحتاج الي اداره، والاداره تحتاج الي قانون، والقانون يحتاج الي مؤسسات، والمؤسسات تحتاج الي رؤيه تتجاوز اللحظه. ولهذا شهد عهد الشيخ عبدالله السالم توسعا كبيرا في بناء اجهزه الدوله وتنظيمها، وصدرت خلال عهده تشريعات اساسيه لتنظيم الجنسيه والقضاء والنقد والاداره، كما انشئت اداره الفتوي والتشريع سنه 1960، وتطورت مؤسسات الدوله بما يتناسب مع التحولات الاقتصاديه والاجتماعيه المتسارعه، وهنا بدا يتضح ان الشيخ عبدالله السالم لم يكن يدير عصر النفط فحسب، بل كان يقود انتقال الكويت من الاماره التقليديه الي الدوله الحديثه. رجل يعرف معني المؤسسه ولعل ابرز ما يميز الشيخ عبدالله السالم انه لم ينظر الي الدوله باعتبارها مجموعه من الاشخاص، وانما باعتبارها مؤسسات تستمر بعد الاشخاص، فالذي شارك في تجربه المجلس التشريعي سنه 1938، وتراسه، ثم اصبح اميرا بعد اكثر من عقد، كان يعرف ان قوه الدوله لا تكون بالسلطه وحدها، وانما بقدرتها علي تنظيم السلطه نفسها، ومن هنا يمكن فهم ما سياتي لاحقا في عهده: الاستقلال، ثم المجلس التاسيسي، ثم الدستور. لم تكن هذه الاحداث جزرا منفصله في تاريخ الكويت، بل كانت حلقات متتابعه في مشروع واحد: بناء دوله قادره علي اداره شؤونها، ثم دوله قادره علي اداره نفسها. وهذه هي النقطه، التي تجعل تجربه الشيخ عبدالله السالم اكبر من مجرد سيره حاكم، فهي تجربه انتقال تاريخي اعادت تعريف علاقه الدوله بالثروه، وعلاقه السلطه بالمؤسسه، وعلاقه الكويت بمحيطها والعالم. الشيخ عبدالله السالم امام مرحله تاريخيه كان العالم من حول الكويت يتغير بسرعه، وكانت المنطقه تدخل مرحله جديده بعد الحرب العالميه الثانيه، بينما كان النفط يعيد رسم موقع الكويت الاقتصادي والسياسي. وكان الشيخ عبدالله السالم امام فرصه تاريخيه، لكنه كان امام مسؤوليه اكبر، فالكويت التي يزداد دخلها تحتاج الي تعليم يواكب العصر، وخدمات تليق بالمجتمع، واداره تنظم التوسع، وتشريعات تضبط الحياه العامه، وعلاقات خارجيه تتناسب مع مكانتها الجديده، ولهذا جاءت سنوات حكم الشيخ عبدالله السالم بوصفها مرحله انتقال شامله، لا مجرد مرحله ازدهار اقتصادي. فالمطلوب لم يكن ان تصبح الكويت اغني فحسب، بل ان تصبح اكثر قدره علي اداره غناها، واكثر استعدادا لحمايه مستقبلها. من هنا تبدا الحكايه لهذا، فان الشيخ عبدالله السالم الصباح ينبغي الا يقرا باعتباره فقط امير الاستقلال او ابا الدستور، فهذان اللقبان يختصران محطتين عظيمتين من عهده، لكنهما لا يستوعبان الرجل كله، انه الحاكم الذي تسلم الكويت في بدايه التحول النفطي، وقاد اتساع مؤسسات الدوله، ثم دفع بها نحو الاستقلال، وبعد الاستقلال نحو الدستور. ولهذا كانت سنه 1950 بدايه مرحله جديده في تاريخ الكويت. الشيخ احمد الجابر مهد الطريق، والشيخ عبدالله السالم تسلم الرايه. لكن الرايه لم تكن مجرد حكم ينتقل من امير الي امير، بل كانت مسؤوليه دوله تدخل عصرا جديدا. والسؤال الذي سنلاحقه في الحلقه القادمه: ماذا فعل الشيخ عبدالله السالم بالثروه التي فتحها النفط للكويت؟ وكيف تحولت الاموال الجديده الي تعليم وصحه وعمران ومؤسسات ودوله حديثه؟ هناك، في الاجابه عن هذا السؤال، تبدا قصه الكويت، التي تغير وجهها وحياتها في عهد الشيخ عبدالله السالم الصباح. الزبده 1 ــ تسلم الشيخ عبدالله السالم مقاليد الحكم سنه 1950 بعد وفاه الشيخ احمد الجابر. 2 ــ لم يكن جديدا علي شؤون الدوله؛ فقد تراس المجلس التشريعي سنه 1938. 3 ــ جاءت تجربته السياسيه المبكره في سياق تاريخ كويتي عرف المجالس والانتخابات قبل الدستور الحديث. 4 ــ تسلم الكويت في بدايه مرحله التحول الكبري التي احدثها النفط. 5 ــ شهد عهده توسعا في التشريعات وتنظيم القضاء والنقد والاداره واجهزه الدوله. 6 ــ لم يكن مشروعه مجرد اداره عوائد النفط، بل بناء مؤسسات دوله قادره علي اداره مرحله التحول. 7 ــ جمع عهده بين التنميه وبناء المؤسسات والاستقلال والدستور، في مسار تاريخي متصل. 8 ــ تسلم الشيخ عبدالله السالم الرايه من جيل التاسيس، وقاد الكويت من مرحله الاماره الحديثه الي مرحله الدوله المستقله الدستوريه. 9 ــ لذلك بقي اسم الشيخ عبدالله السالم مرتبطا لا بحدث واحد، بل بمشروع تاسيس دوله حديثه قادره علي ان تستمر بعد مؤسسيها. د. عبدالحميد خليفه الشايجي