اللباس بين المهنيه والهويه (2)

الحلقه الثانيه: اللباس هويه... والمظهر رساله وطنيه في الحلقه السابقه تناولنا اللباس من زاويه المهنيه، وقررنا ان اللباس ليس القياس.. لكن له معني ومقياس. واليوم ننتقل الي المعني الاعمق: اللباس بوصفه جزءا من الهويه، ورساله ظاهره عن المجتمع الذي ننتمي اليه. فالهويه لا تكتب في الوثائق وحدها، ولا ترفع في المناسبات فقط؛ بل تظهر في اللغه، والسلوك، والعادات، والموروث، والعماره، واللباس، انها مجموعه اشارات صغيره تصنع في مجموعها صوره مجتمع كامل. ولهذا، حين تري الزي الكويتي والخليجي، فانت لا تري قطعه قماش فحسب، بل تري امتدادا لبيئه وتاريخ وذاكره اجتماعيه وذوق تشكل عبر اجيال. ومن هنا، فان المظهر في مؤسسات الدوله ينبغي الا يفهم باعتباره شانا فرديا خالصا؛ فالموظف العام لا يمثل نفسه وحده، وانما يمثل المؤسسه التي يعمل فيها والدوله التي يخدمها. وقانون الخدمه المدنيه نفسه يقرر ان الوظائف العامه خدمه وطنيه، كما ان توجيهات السلوك الوظيفي الحكوميه تربط المهنيه والكفاءه بمراعاه المظهر اللائق. وهنا يمكن قراءه ما قامت به وزاره الماليه قراءه ابعد من حدود التعميم الاداري نفسه: باعتباره اعاده تذكير بان للوظيفه العامه هيبه وصوره وهويه مهنيه. وهذه الفكره في ذاتها لا تتعارض مع الحريه ولا الكرامه، ما دامت منضبطه بالقانون والعدل والمساواه. فالدستور الكويتي يقرر المساواه في الكرامه والحقوق والواجبات، ويجعل الاسره قائمه علي الدين والاخلاق وحب الوطن، كما يقرر مكانه الشريعه الاسلاميه ضمن البنيه الدستوريه للدوله. وهنا تظهر مسؤوليه السياسه العامه. فالدوله لا تحرس حدودها ومالها العام ومؤسساتها فقط؛ بل تحافظ كذلك علي ما يمكن تسميته راسمالها الثقافي: اللغه، والقيم، والموروث، والرموز، والصوره العامه للمجتمع. واذا كانت الدول تحمي مبانيها التاريخيه، واغانيها الشعبيه، ولهجاتها، واعيادها، وعاداتها، فلماذا يستغرب ان تحرص كذلك علي صوره موظفها العام؟ ان المحافظه علي الهويه لا تعني الجمود، ولا تعني فرض قالب واحد، ولا تعني رفض التطور. فالهويه الحيه لا تخاف من العصر، لكنها لا تذوب فيه. والمجتمع الواثق من نفسه يستطيع ان يجمع بين الدشداشه والبدله الرسميه، وبين التراث والتحديث، وبين الخصوصيه والانفتاح. القضيه ليست ان نعيد الناس الي الماضي، بل ان نحمل من الماضي ما يستحق ان يبقي ونحن نمضي الي المستقبل. ومن هنا، فان فكره توحيد المبدا العام للمظهر المهني في مؤسسات الدوله تستحق دراسه جاده: لا بنسخ كل تفصيل من جهه الي اخري، ولا بتحويل المديرين الي مفتشي ملابس، وانما بوضع اطار مهني واضح يراعي طبيعه كل جهه ووظيفه. فالطبيب له مقتضياته، والمهندس له بيئته، والدبلوماسي له تمثيله، والموظف الاداري له طبيعته؛ لكن الجامع بينهم جميعا هو ان الوظيفه العامه ليست مساحه منفصله عن صوره الدوله وقيم المجتمع. والمعيار هنا ينبغي ان يبقي واضحا: وقار، ومهنيه، واحتشام، واحترام للهويه، مع صيانه الكرامه والخصوصيه وعدم التعسف. وهذا التوازن مهم جدا؛ لان حفظ الهويه لا يبرر الغلو في التنظيم، كما ان الحريه الشخصيه لا تعني الغاء كل معني للمكان والوظيفه والمجتمع. ومن الناحيه الشرعيه، فان الستر والحشمه والوقار وحسن الهيئه معان مستقره، من غير ان يختزل الانسان في مظهره، او يصبح الثوب بديلا عن الاخلاق والعمل. فلا الظاهر يغني عن الباطن، ولا الباطن حجه لاهمال الظاهر. والخلاصه ان ما بدا كتعميم في وزاره يمكن ان يفتح نقاشا اوسع واهم: كيف تبدو الدوله في عيون ابنائها وزوارها؟ وما الصوره التي تريد ان تقدمها عن نفسها؟ فالهويه التي لا تظهر في شيء، ولا تؤثر في شيء، ولا تري في شيء، تتحول مع الزمن من حقيقه حيه الي ذكري. والكويت لا تحتاج الي ان تختار بين الاصاله والحداثه. فبوسعها ان تكون حديثه باصالتها، واصيله في حداثتها. الزبده: 1. اللباس احد السنه الهويه الصامته، وليس مجرد قطعه قماش. 2. الموظف العام يمثل نفسه ومؤسسته ودولته، ومظهره جزء من هذه الرساله. 3. حمايه الهويه الثقافيه والمهنيه جزء من مسؤوليه الدوله تجاه صورتها العامه. 4. ما قامت به وزاره الماليه يفتح بابا لنقاش وطني اوسع حول المظهر المهني في مؤسسات الدوله. 5. المطلوب تعميم المبدا لا نسخ التفاصيل، مع مراعاه طبيعه كل جهه ووظيفه. 6. الهويه الحيه تجمع بين الاصاله والمعاصره، وبين الحريه والمسؤوليه، وبين المظهر والمضمون. د. عبدالحميد خليفه الشايجي