لماذا يشعر الكثيرون بالقلق من المستقبل؟

ينبع الشعور بالقلق مما يخبئه المستقبل لنا من منطلق الجهل به، فلو كنا نعلم ما ينتظرنا لكنا، ربما، في قمه السعاده، ان كان المستقبل مشرقا، او في قمه التعاسه، ان كان سيئا. كما يزداد قلقنا من المستقبل مع تقدمنا في العمر، ومع وقوع احداث عظام لا قدره لدينا في السيطره عليها، مثل الحروب والاوبئه او الاصابه بامراض خطيره. وعاده ما يشكل المستقبل هاجسا لمحدودي الدخل، الذين لا يضمنون امتلاك القوه او المال لتوفير العشاء لاسرهم. اما المعدمون وبالغو الثراء، فانهم، منطقيا، اقل اكتراثا، من غيرهم، بما يخبئه المستقبل لهم. يقول البروفيسور والمؤرخ الاسرائيلي «يوفال هراري»، المعارض لسياسات حكومته، ان من اسهل الطرق لبث الاطمئنان في القلوب في ما يتعلق بالمستقبل، وعلي نطاق واسع، هو اقناع الجميع بالايمان بالروايه نفسها. فالروايات هي المحرك الحقيقي للتاريخ، ولا يشترط ان تكون صحيحه. فبعض اقوي الروايات في التاريخ كانت من نسج الخيال. وبعضها الاخر زائفه تماما. لكن عليك ان تجعل الجميع، او علي الاقل شريحه كبيره من الناس، يؤمنون بالروايه نفسها. فالعلم ليس عن الحقيقه، علي الاقل هذا رايي كمؤرخ، ولا هو، في جوهره، الهدف، بل الهدف الحقيقي للعلم كمشروع، كمؤسسه، ليس الوصول للحقيقه، بل للسلطه. فقد يكون بعض الافراد، وبعض العلماء، مهتمين جدا بالحقيقه، علي الصعيد الشخصي. لكن كمؤسسه، الهدف الحقيقي للعلم هو السلطه. فمن يمتلك البيانات يمتلك المستقبل، واشياء كثيره اخري. والبيانات هي المعلومات. وقال اننا نقترب من نقطه في تاريخ البشريه نمتلك فيها من المعرفه البيولوجيه والقدره الحاسوبيه ما يكفي، وكل ما نحتاجه لاختراق حياه ملايين الاشخاص بشكل منهجي هو البيانات. اختراق الناس يعني معرفتهم اكثر مما يعرفون انفسهم. شخص ما في سان فرانسيسكو، او في بكين، يعرفك، يعرف عنك اكثر مما تعرفه عن نفسك، عن حالتك الصحيه، عن نقاط ضعفك، ونزواتك، وحتي امراضك، وايضا عن امور فعلتها قبل خمس او عشرين سنه، ونسيتها تماما، لكنه يعرفها. هذا شيء لم نواجهه من قبل، فحتي اعتي اجهزه المخابرات لم تستطع فعله. وقد بدانا نري بالفعل ظهور انظمه مراقبه شامله تغطي قاطني المدن الكبري. وفي اماكن مثل اسرائيل، حيث لدينا مختبر ضخم لتجربه مراقبه الاخرين يسمي «الاراضي المحتله»، حيث يوجد ويعيش 2.5 مليون فلسطيني، يتم التعامل معهم كـ «فئران تجارب»، بهدف السيطره عليهم بشكل كامل، وباقل عدد من الجنود. فعندما نطلع علي البيانات، ونحلل ما لدينا من معلومات، نستطيع حينها معرفه عدد الجنود الذين نحتاجهم للسيطره علي ملايين الناس، شريطه امتلاك كامل البيانات الصحيحه عنهم. وبالتالي المستقبل مقلق، لاسباب كثيره، لكن يصبح مقلقا اكثر او اقل، تبعا لما نعرفه، وتبعا لنفسياتنا واوضاعنا الاسريه او الماديه، وحالتنا الصحيه. احمد الصراف