كشف السر

«يوما ما سوف تنادي الكتابه عليك». اذكر عبارته جيدا. كان استاذي الذي اخذ بيدي الي القراءه المنظمه والنقاش، منذ كنت في الثانيه عشره من عمري. ومع دخولي الي جامعه الكويت، شعرت باني احوم حول الكتابه. فقصدته: «ارغب في كتابه قصه قصيره». «ربما حان الوقت. لك ان تبدا بالكتابه بينك وبين نفسك، وعليك الا تفكر في النشر». تلاقت نظراتنا. كنت تواقا للنشر، وكنت متشوقا لان اري اسمي وصورتي في الجرائد والمجلات. لكنه قال لي، وكانه يقرا ما في عيني: «الكتابه كشف للسر، فحذار ان تكشف سرك قبل ان ينضج». بقيت اتحرق علي جمر النشر سنه كامله، احمل اليه قصتي الاولي فيراجعها معي، ويقترح علي تعديلا هنا او هناك، وفي نهايه كل لقاء يقول: «اكتبها بالتعديلات وستكون جاهزه للنشر». بقيت اكتبها في نسخه جديده تحمل التعديلات، واحملها اليه، فنتناقش ونصل الي تعديلات جديده. قصه قصيره واحده اخذت منه ومني، في ورشه الكتابه تلك، قرابه اربعه اشهر، فلقد كنت انذاك اكتب بيدي، بالقلم الرصاص، ليسهل علي المحو. الي ان رفع عينيه مساء احد الايام ناظرا الي، وشيء من ابتسام يعلو وجهه: «اظنك تستطيع النشر، وكتابه اسمك تحت القصه». حلم مدوخ يلازم الكاتب الشاب، فتاه كان او فتي، ومعه يظن ان نشر كتاب باسمه سيصنع منه كاتبا مشهورا. لكنه اغراء كشف السر، ولكنه الطعم، ولكنها الخطوه الاولي، التي ستبقي خطوه اولي مهما امتد بالكاتب الطريق؛ فكل كتابه هي كشف سر جديد، وكل كتابه هي مغامره جديده، وكتابه ناجحه سابقه لا تشير ابدا الي ان الكتابه، التي تليها ستكون ناجحه ايضا. وما قد يغيب عن البعض، ان تعميد اسمك كاتبا لا ياتي بكتاب واحد، ولا بجائزه، انما يتكون عبر تراكم ابداعي يحمل بصمتك وسرك، وقد اخذ منك اغلي ما تملك: سنوات عمرك. دارت الارض دورتها، وجاءت مواقع الانترنت، ومنصات التواصل الاجتماعي، وحل الذكاء الاصطناعي، او «الذكاء الفائق»، كما سماه الرئيس الامريكي ترامب في الايام القليله الماضيه. وضجت الاعلانات من حولنا: «نحن نكتب عنك»، «منك الفكره ومنا الكتابه»، «نكتب معا»، «متخصصون في الكتابه الابداعيه»، «قدم لنا فكرتك ونعطيك كتابا». وبعيدا عن مجانيه الاعلانات، صار بمقدور كل من يطمح الي الكتابه ان يوظف عنده، في بيته وبعيدا عن الانظار، محررا ادبيا مخلصا ومتخصصا وبالمجان. نعم، صار لك الان ان تستعين بمن يكتب لك، تكشف امامه اسرار روحك، فيحنو عليها، ويكتبها دون ان يفضح سرك. لكن المشكله انه يكتب بلغته، ويكتب بفهمه، ويكتب وفق البيئه التي جاء منها، ويكتب بصيغ جاهزه، ويكتب لك كما يكتب لغيرك، ويكتب بذاكره ليست ذاكرتك. وهنا تتشوه بصمتك، ويتبدد صوتك، وقد تنشر كتابا لكنه لا يحمل منك سوي اسمك، الذي سيمر امام بعضهم فيبتسمون: «عمل مكتوب بالذكاء الفائق». لك ان تحلم بالكتابه، فهذا حلم مشروع، لكن عليك ان تعد نفسك لها بالقراءه: القراءه الدائمه، والقراءه الموسوعيه، والقراءه المنظمه، والقراءه الجاده في الجنس الادبي الذي تعشقه روحك. وبعد عمر من القراءات، ستنادي الكتابه عليك، وكم هو مغر نداؤها، لكن لحظتها عليك ان تحاذر كشف سرك قبل ان يكون قد نضج وصار ثمرا يشتهي الجميع تذوقه. فما الكتابه سوي سر نحرسه طويلا، لنمنحه لغريب اسمه القارئ. طالب الرفاعي