اللباس بين المهنيه والهويه (1)

الحلقه الاولي: ماو وشريط القياس.. اين القرار؟! بدا الكاتب احمد الصراف حديثه عن تعميم وزاره الماليه بماو تسي تونغ، وانهاه بسؤال وجيه عن اخلاق الموظفين وانتاجيتهم. وبين البدايه والنهايه، تخيل رئيس قسم يحمل شريط قياس، ويفحص طول التنوره والمكياج والوشم. انها صور تستوقف القارئ، لكن هل تكفي للحكم علي القرار؟ حين نناقش تعميما اداريا، فالقياس الصحيح ليس طول التنوره، بل وضوح النص، ومشروعيه الغرض، وعداله التطبيق، وتناسب الجزاء. اولا: ما وجه الشبه بماو؟ يرتبط الزي الذي استحضره الصراف بسياق سياسي واجتماعي شمل ملايين الناس في الصين. اما تعميم «الماليه» فينظم مظهر العاملين في جهه محدده، ويورد، وفق ما نقله الكاتب نفسه، صورا متعدده للباس المقبول. فما الذي يجعله زيا موحدا كما يوحي عنوان مقاله؟ الاشتراك في كلمه «زي» لا يكفي لعقد المقارنه؛ فالنطاق مختلف، والغرض مختلف، والخيارات المتاحه مختلفه. وللكاتب ان ينتقد اي بند في التعميم، بل ان يطالب بالغائه ان كان غامضا او مجحفا؛ اما استدعاء ماو فلا يثبت شيئا عن ذلك البند. لقد اعطي التشبيه المقال جاذبيته، لكنه لم يعط الاعتراض حجته. والقياس الذي يحذف اختلافات مؤثره بين الحالتين يورث انطباعا قبل ان يقدم دليلا؛ ولذلك ينبغي ان نقرا مواد التعميم كما هي، ثم نسال عما يصلح منها وما يحتاج الي تعديل. ثانيا: هل صار اللباس بديلا عن الانجاز؟ يسال الصراف: انقدم الانتاج والاخلاص والامانه، ام نجعل اللباس مقياس الموظف؟ الجواب واضح: لا يقاس الموظف بملابسه وحدها؛ ومن يعطل مصالح الناس لا تنقذه اناقته. لكن اين في التعميم ما يقول: ان المظهر يحل محل الانجاز؟ تستطيع المؤسسه ان تطالب موظفيها بحسن الاداء، وحسن التعامل، ومظهر يلائم طبيعه العمل، وان تحاسب المقصر في كل ذلك. ولو اهملت الوزاره جوده الخدمه وانشغلت بالالبسه، لوجب مساءلتها عن هذا الخلل، لا افتراض ان كل تنظيم للمظهر خصم للانتاج. والسؤال الملزم لها: ما مؤشرات الاداء التي تتابعونها بالجديه نفسها التي تطلبون بها الالتزام بالمظهر؟ بذلك نضع الاولويات في مكانها، بدل ان نصنع تعارضا لا يلزم من القرار. فما نريده من الاداره ليس موظفا حسن المظهر قليل النفع، ولا موظفا ماهرا يعفي من كل التزام مهني، بل خدمه تنجز باحترام، وقواعد تطبق دون انتقائيه. ثالثا: ما الذي اصاب فيه الصراف؟ اصاب حين سال: من يحدد المكياج المعتدل والالوان الهادئه؟ هذه ليست نكته، بل نقطه تحتاج جوابا. فالوصف الذي يرتب علي مخالفته تنبيه او جزاء لا يصح ان يظل رهين ذوق المدير او اختلاف الاقسام. وعلي الوزاره ان تبين معاييرها بلغه يستطيع الموظف فهمها، وان تراعي طبيعه الوظائف، وتساوي بين الحالات المتماثله، وتوفر طريقا واضحا للاعتراض علي القرار. واذا كان التفصيل في لباس الموظفات اكثر مما هو في لباس الموظفين، فلا بد من بيان سبب ذلك، وضمان الا يتحول التطبيق الي احراج او انتهاك للخصوصيه. الكرامه المهنيه حق للموظف والموظفه، مثلما الانضباط واجب عليهما. وكلما كانت العباره اوسع من معناها العملي، اتسعت معها مساحه الاجتهاد الشخصي؛ وما يجوز ان يناقش عند صياغه التعميم لا يجوز ان يترك غامضا حتي لحظه محاسبه الموظف. رابعا: اين موضع شريط القياس؟ تصوير رئيس قسم يدور حول موظفه ليفحص لباسها يلفت النظر الي احتمال تعسف ينبغي منعه. لكنه يطرح سؤال التطبيق، ولا يجيب عن سؤال اصل التنظيم. لا يصح ان تتحول بيئه العمل الي تفتيش في اجساد الموظفين، ولا ان يصبح اسوا مشهد متخيل دليلا علي ان كل ضابط للمظهر باطل. النقد الاقوي يطلب تعليمات تحظر الاحراج والتفتيش الشخصي، وتحدد المسؤول عن المتابعه واجراءاتها وحدودها. هنا يصبح الاحتمال الذي اثارته السخريه ضمانه عمليه، لا مجرد لقطه عابره في المقال. والفرق كبير بين ان نقول للاداره: سيحمل مديركم شريطا، وان نسالها: ما الذي يمنعه من اساءه استعمال سلطته؟ فالسؤال الثاني يستدعي اجراء مكتوبا يمكن مساءلتها عنه. خامسا: لماذا يصدر التعميم؟ يسال الصراف ايضا: هل ثبت تردي اخلاق العاملين حتي يصدر القرار؟ ليس كل تنظيم اعلانا عن سوء سلوك العاملين؛ فقواعد الحضور لا تتهم الجميع بالغياب، وضوابط التعامل لا تتهم الجميع باساءه معامله المراجعين. ومع ذلك، لا يكفي ان ترفع الاداره شعار المهنيه لتعفي من بيان الحاجه الي الضوابط التي وضعتها. عليها ان تشرح غرض كل قيد، وصلته بالعمل، وان تتجنب التدخل في ما لا يؤثر في ادائه او صوره المؤسسه. فسلطه التنظيم تقاس بحدودها، كما تقاس باهدافها. وما لا صله له بالعمل يعدل او يحذف. الزبده: 1. تشبيه تعميم «الماليه» بزي عهد ماو لا يستقيم مع اختلاف السياق والنطاق والخيارات. 2. اولويه الانتاج والامانه لا تمنع المؤسسه من تنظيم المظهر المرتبط بالعمل. 3. عبارات مثل المكياج المعتدل تحتاج معيارا واضحا لا يخضع لاذواق الرؤساء. 4. صون الخصوصيه والمساواه وحق الاعتراض شروط لعداله التطبيق. 5. احتمال التعسف يستدعي ضمانات تمنعه، لا الاكتفاء بمشهد ساخر يصوره. 6. تسال الوزاره عن حاجه التعميم ووضوحه وتناسب جزائه، وعن جوده الخدمه ايضا. د. عبدالحميد خليفه الشايجي