السياده الرقميه والتطورات التشريعيه

اضاف العصر الرقمي حدودا جديده غير مرئيه، تمر عبر شبكات الاتصالات ومراكز البيانات والمنصات الالكترونيه، وتمتد الي المعلومات الشخصيه والماليه والصحيه للمواطنين، والي الانظمه التي تدير الكهرباء والمياه والمطارات والمصارف والمؤسسات الحكوميه، واصبح اختراق نظام الكتروني واحد قادرا علي تعطيل خدمات اساسيه وارباك الاقتصاد والتاثير في ثقه المجتمع، ولذلك تحولت السياده الرقميه من مساله تقنيه يتولاها المختصون الي قضيه سياسيه وامنيه وتنمويه تقع في صميم مسؤوليات الدوله، وبالنسبه الي دوله الكويت فان التوسع في الخدمات الحكوميه الرقميه يمثل تقدما مهما يستحق الدعم، لكنه يحتاج بالتوازي الي بنيه وطنيه امنه، وتشريعات واضحه لحمايه البيانات، وكفاءات كويتيه قادره علي اداره الانظمه الحساسه، فالدوله التي تخزن بياناتها وتدير خدماتها بوعي واستقلال، تمتلك قدره اكبر علي اتخاذ القرار وحمايه مصالحها في اوقات الاستقرار والازمات. اصبحت البيانات في الاقتصاد الحديث موردا لا يقل اهميه عن النفط، لانها تساعد الحكومات علي تحسين التخطيط، وتطوير الخدمات، وتوجيه الانفاق، وقياس احتياجات السكان، لكنها قد تتحول الي مصدر خطر اذا غابت عنها الحمايه والرقابه والمساءله، ومن هنا تحتاج دوله الكويت الي رؤيه متكامله تتعامل مع الامن السيبراني بوصفه استثمارا في المستقبل، لا مجرد استجابه مؤقته بعد وقوع الاختراقات، وتشمل هذه الرؤيه انشاء مراكز بيانات وطنيه بمعايير عاليه، وتحديث القوانين المرتبطه بالخصوصيه والذكاء الاصطناعي، وتدريب العاملين في المؤسسات العامه، وادخال الثقافه الرقميه في التعليم، ودعم الشركات الكويتيه المتخصصه في الامن والتقنيه، كما يجب تحديد المسؤوليه بوضوح عند تسرب البيانات او اساءه استخدامها، فثقه المواطن بالخدمات الرقميه لا تبني بسرعه انجاز المعامله وحدها، بل تبني ايضا من خلال معرفته بان معلوماته مصونه، وان هناك جهه تحمي حقوقه، وان التكنولوجيا تعمل لخدمته لا لمراقبته او الاضرار به. تقدم استونيا مثالا عالميا ناجحا في بناء السياده الرقميه، فقد جعلت الخدمات الحكوميه الالكترونيه جزءا اساسيا من حياه المواطن، وطورت هويه رقميه امنه، وربطت مؤسسات الدوله ضمن منظومه تحافظ علي كفاءه الخدمات وحمايه المعلومات، كما استثمرت في التوعيه والامن السيبراني واستمراريه العمل، فاصبحت تجربتها دليلا علي ان الدول الصغيره تستطيع ان تكون كبيره بتقدمها المؤسسي والتقني، ولا تحتاج الكويت الي نسخ تجربه اي دوله، لكنها تستطيع الاستفاده من عناصر النجاح وتطوير نموذج كويتي ينسجم مع احتياجاتها وقوانينها وخصوصيتها الاجتماعيه، فامتلاك بنيه رقميه وطنيه سيعزز كفاءه الاداره العامه، ويجذب الشركات العالميه، ويوفر وظائف نوعيه للشباب، ويدعم الابتكار والاقتصاد المعرفي، ويحمي القرار الوطني من الارتهان التقني للخارج، ان المستقبل لن يكون للدول الاكثر امتلاكا للاجهزه، بل للدول الاكثر قدره علي حمايه بياناتها وصناعه تقنيتها وتنميه عقول ابنائها، ودوله الكويت بما تملكه من امكانات بشريه وماليه ومؤسسات راسخه قادره علي ان تجعل السياده الرقميه بوابه جديده للامن والتنميه والثقه، وان تنتقل بثبات من استهلاك التكنولوجيا الي المشاركه في صناعتها وصياغه مستقبلها. ودمتم سالمين،،، د. غدير محمد اسيري