هل يمكن للعماره في الكويت الصمود امام درجات حراره تصل الي 50؟

لطالما تعايشت الكويت مع الحراره، لكن السؤال الذي يواجه العماره اليوم لم يعد مقتصرا علي كيفيه الحفاظ علي البروده فحسب؛ بل يتمحور حول مدي جاهزيه مبانينا واحيائنا ومساحاتنا العامه لمستقبل تتزايد فيه درجات الحراره الي مستويات قصوي. عندما تقترب درجات الحراره من 50 درجه مئويه، تتحول الحراره الي قوه مؤثره في العماره؛ فهي تؤثر في مواد البناء، واغلفه المباني، والبنيه التحتيه، والمساحات العامه، والاهم من ذلك، في انماط استهلاك الطاقه بالمباني. وتفرض الحراره الشديده ضغوطا متزايده علي الخرسانه والاسفلت والواجهات وانظمه العزل المائي والمعدات الميكانيكيه ووحدات تكييف الهواء. ومع مرور الوقت، يمكن لعمليات التمدد والانكماش الحراري المتكرره ان تسرع من وتيره التلف، بينما يؤثر التعرض المكثف لاشعه الشمس في التشطيبات والالوان ومواد العزل ومكونات البناء. ولا تقتصر العواقب علي المبني بحد ذاته؛ فمع ارتفاع درجات الحراره، يزداد الاعتماد علي التكييف. وتعمل انظمه التبريد لفترات اطول وتحت احمال اكبر، مما يؤدي الي ارتفاع استهلاك الكهرباء، وزياده الضغط علي البنيه التحتيه للطاقه في الكويت. وكلما زاد اعتمادنا علي التبريد الميكانيكي للمباني، زاد استهلاكنا للطاقه، وزادت كميه الحراره التي تطرد في النهايه لتعود الي البيئه الحضريه المحيطه. ومع ذلك، قد يكون الحل اقرب مما نتصور. يزخر التراث المعماري الكويتي بخبرات ومعارف مناخيه تراكمت عبر الاجيال، وتتمثل في عناصر مثل الافنيه الداخليه، والممرات المظلله، والجدران السميكه، والتحكم بضوء النهار، والعلاقات المصممه بعنايه بين المساحات الداخليه والخارجيه. ولا تقتضي هذه المبادئ مجرد محاكاتها بدافع الحنين الي الماضي، بل يمكن اعاده صياغتها وتوظيفها من خلال العماره والتقنيات المعاصره. لذا، ينبغي لمستقبل العماره الكويتيه ان يتجاوز مفهوم المبني المعتمد كليا علي التكييف، ليتجه نحو بيئه اكثر اخضرارا واستجابه للمناخ. لزياده عدد الاشجار، وتظليل الشوارع، وانشاء الافنيه المزروعه والاسطح الخضراء والمساحات المفتوحه المنفذه للمياه، واعتماد استراتيجيات التبريد الطبيعي، وتحسين توجيه المباني، واستخدام مواد تراعي الظروف المناخيه؛ كلها عوامل يمكن ان تحد من الحراره قبل وصولها الي المبني. ان التحدي لا يكمن ببساطه في جعل المباني قادره علي الصمود امام حراره تبلغ 50 درجه مئويه، بل في تصميم يساهم في تخفيف وطاه هذه الحراره. والحل لا يكمن بالضروره في انظمه تكييف اكثر قوه، بل في عماره افضل. د. يوسف عبدالمحسن الهارون