سلام تحميه القدره... وتضبطه الحكمه.. قراءه في كلمه الكويت امام الامم المتحده في ضوء السياسه الشرعيه وفقه الواقع والمالات

حين القي ممثل سمو امير البلاد الشيخ مشعل الاحمد الجابر الصباح، سمو ولي العهد الشيخ صباح الخالد، كلمه الكويت امام الجمعيه العامه للامم المتحده، يوم الخميس، 24 سبتمبر 2026، في دورتها الحاديه والثمانين بنيويورك. جاءت في كلمته «ان السلام موقف تمليه الحكمه وتحميه القدره». فالسلام العادل يحتاج الي حق واضح، وفهم دقيق للخطر، وقدره تحمي الناس، وحكمه تنظر في عواقب القرار. ومن هنا يمكن قراءه الكلمه في منظومه مترابطه: السياسه الشرعيه تحدد المقصد، وفقه الواقع يشخص الخطر، وفقه القوه يحدد وسائل الحمايه، وفقه المالات يختبر دوام السلام. اولا: حفظ الانسان: مقصد السياسه بدات الكلمه بالاعتداءات الايرانيه، التي طالت الكويت ودولا اخري، رغم انها ليست اطرافا في النزاع، واصابت مطار الكويت ومحطات الكهرباء والمياه والمنشات النفطيه. وحين تهدد مرافق الحياه، يصبح الدفاع عن الدوله دفاعا عن الانسان ومعاشه؛ وهذا من صميم السياسه الشرعيه القائمه علي حفظ النفوس والمصالح ودفع الضرر. وهو ايضا واجب دستوري؛ فالماده الثامنه تنص علي ان الدوله تكفل الامن والطمانينه، بينما تقرر الماده الثامنه والستون ان الحرب الدفاعيه تعلن بمرسوم، وان الحرب الهجوميه فمحرمه. بهذا يتحدد موضع القوه: حمايه الوطن ورد العدوان ضمن ضوابطه الدستوريه، لا تحويل الحرب الي غايه. لذلك جمعت الكلمه بين حق الدفاع ودعم الجهود الدبلوماسيه للتهدئه. ثانيا: فقه الواقع: خطر مترابط لم تقف الكلمه عند حدود المنشات الكويتيه. فقد ربطت الاعتداءات بامن الخليج وحريه الملاحه في هرمز وباب المندب، وبما يصيب التجاره والامدادات العالميه من اضطراب، واكدت ان امن السعوديه جزء من امن الكويت ودول مجلس التعاون. وهنا يعمل فقه الواقع: يقرا الخطر في امتداده، ويري كيف ينتقل اثره من حياه المواطن الي امن المنطقه واقتصاد العالم. ولذلك لا تكفي تهدئه توقف الصواريخ اليوم، وتترك اسبابها قائمه غدا. فقد دعا سموه الي تفاهمات تعالج المشاغل الامنيه، وتحترم سياده الدول، وتوقف دعم الوكلاء والميليشيات، وتضمن سلامه الملاحه. فالتشخيص الصحيح هو ما يميز بين توقف الاعتداء ومعالجه منشئه. ثالثا: فقه القوه: قدره تضبطها الحكمه القوه اللازمه لحمايه السلام اوسع من السلاح، وان كانت الجاهزيه الدفاعيه ركنا فيها. انها قدره المؤسسات علي استمرار الخدمات، وتنسيق خليجي يحمي الامن المشترك، ودبلوماسيه توثق الحقوق وتكسب التاييد، واقتصاد يصمد امام الازمات. ولكل جانب اثره: الجاهزيه تردع المعتدي، واستمرار الخدمات يطمئن الناس، ووحده الموقف الخليجي تقوي التفاوض، والحجه القانونيه تمنع ضياع الحق وسط ضجيج الحرب. لكن القوه الرشيده لا تقاس بقدرتها علي رد العدوان فحسب؛ بل بقدرتها علي منع تكراره دون فتح باب لضرر اشد. هنا تصل حكمه فقه القوه بفقه المالات: متي يلزم الردع؟ ومتي تنفع الوساطه؟ وما الذي يبقي بعد انقضاء الازمه؟ رابعا: فقه المالات: سلام يحفظ الحقوق تظهر اهميه هذا السؤال في علاقه الكويت بالعراق. رحبت كلمه سمو ولي العهد بالتعاون وتعزيز الثقه، وتمسكت في الوقت نفسه باستكمال ترسيم الحدود البحريه، والوفاء بالاتفاقيات، ومعالجه ملف المفقودين والممتلكات الكويتيه. فالحقوق الواضحه والالتزامات المنفذه تمنح حسن الجوار اساسا يبقي. واذا تركت الملفات العالقه بلا معالجه، امكن لكل خلاف جديد ان يعيد توتير العلاقه؛ اما تسويتها وفق القانون فتنقل التعاون من رغبه سياسيه الي مصلحه مستقره للبلدين. وفي فلسطين، لا يكفي وقف القتال اذا بقي الاحتلال، وانسدت امام الشعب الفلسطيني سبل نيل حقوقه؛ لذلك ربطت الكلمه السلام العادل بانهاء الاحتلال واقامه الدوله الفلسطينيه. وفي اليمن، يتجاوز اثر النزاع حدود البلاد، حين تهدد الملاحه في باب المندب، وتستهدف السعوديه؛ ومن ثم تحتاج التسويه الي حفظ وحده اليمن، وامن جيرانه، وطرق التجاره معا. اما في سوريا، فان دعم اعاده بناء مؤسسات الدوله، وصون سيادتها، يعالجان فراغا قد يجدد الصراع. وفي لبنان، يرتبط الاستقرار بتمكين الدوله من بسط سلطتها وحصر السلاح بيدها. تختلف هذه الملفات، لكن سؤال المالات واحد: هل تعالج التسويه سبب الاضطراب، وتحمي حقوق الناس، وتمنح مؤسسات الدوله قدره علي الاستمرار؟ وعلي المستوي الدولي، دعت كلمه سموه الي اصلاح مجلس الامن، ليكون اكثر تمثيلا وفاعليه. فالقانون الذي لا يجد مؤسسه قادره علي انفاذه يضعف اثره حين تتعرض الدول للاعتداء؛ وتجربه الكويت مع الاحتلال تجعل تمسكها بالشرعيه الدوليه موقفا نابعا من معرفه بثمن غياب الحمايه. وتكتمل الرؤيه بالتنميه، فمشاريع رؤيه الكويت 2035، ودور الصندوق الكويتي، يعززان قدره الدوله والمجتمعات علي الصمود، وقد لخص سموه العلاقه بقوله: لا امن من دون تنميه، ولا تنميه من دون امن. بذلك لا يكون السلام توقفا عابرا للقتال، بل بناء يحفظ الحقوق، ويزيل اسباب الخطر، ويمنح الناس قدره علي الحياه الامنه. الزبده: 1. مقصد السياسه حمايه الانسان وسياده الدوله ومصالح المجتمع. 2. يكفل الدستور الامن والطمانينه، وينظم الحرب الدفاعيه ويحرم الهجوميه. 3. يقرا فقه الواقع اخطار الكويت والخليج والملاحه في ترابطها. 4. تشمل قوه الدوله الدفاع والمؤسسات والتنسيق الخليجي والدبلوماسيه. 5. تضبط الحكمه استعمال القوه، ويختبر فقه المالات نتائجها. 6. يقوم حسن الجوار علي حقوق واضحه والتزامات منفذه. 7. تقاس التسويات بما تعالجه من اسباب الصراع وما تحفظه من حقوق الشعوب وسياده الدول. 8. تعزز التنميه والقانون الدولي قدره الدول علي الصمود وبناء سلام دائم. د. عبدالحميد خليفه الشايجي: