المشتتات.. تعاسه

ربما لم تكن حياه الناس في السابق اسهل من حياتنا، لكنها كانت، في جانب منها، اهدا. كان الانسان يعرف اخبار بيته، وعمله، واقاربه، وعدد محدود من الاصدقاء. لا يعرف اين سافر مئات الاشخاص هذا الصيف، ولا ماذا اشتري زميله، ولا في اي مطعم تناول صديقه العشاء، ولا كيف يبدو منزل شخص لم يقابله في حياته. كانت المقارنه محدوده، ولذلك ربما كانت الرغبات ايضا محدوده. اما اليوم، فنحن لا نعيش حياتنا فقط، بل نشاهد حياه الاخرين طوال اليوم. نستيقظ صباحا، وقبل ان نغادر فراشنا، نكون قد دخلنا عشرات البيوت، وسافرنا مع اخرين، وشاهدنا سياره جديده وترقيه وظيفيه، وزواجا، ومولودا، ومطعما، وجسدا مثاليا، وفندقا فاخرا، ومشروعا ناجحا. ثم نضع الهاتف جانبا، وننظر الي حياتنا الطبيعيه، فتبدو اقل جمالا مما كانت عليه قبل دقائق! ليس لانها تغيرت، بل لان معيار المقارنه تغير، وهنا تكمن خطوره المشتتات الحديثه؛ فهي لا تسرق وقتنا فقط، بل قد تسرق رضانا ايضا. برامج التواصل الاجتماعي او الـsocial media مثال واضح. المشكله ليست في استخدامها، فهي قربت البعيد، وفتحت ابوابا للمعرفه والعمل والتواصل، لكن المشكله تبدا عندما تتحول من نافذه نطل منها علي العالم الي مراه نقيس امامها حياتنا. والاصعب اننا نقارن حياتنا كامله بلحظات منتقاه من حياه الاخرين. نري الرحله، ولا نري الاقساط. نري النجاح، ولا نري سنوات الفشل. نري الصوره العائليه الجميله، ولا نعرف ما خلف الابواب. نري المنصب، ولا نري القلق الذي قد يصاحبه. ومع التكرار، يبدا الانسان بالشعور بان الجميع يعيشون افضل منه، وانه متاخر عنهم، وان ما لديه لم يعد كافيا. حتي الاشياء التي كان يتمناها بالامس، قد يحصل عليها اليوم، ثم لا يستمتع بها؛ لان هاتفه اخبره، بعد دقائق، ان هناك من يملك افضل منها. وهكذا تتكاثر الرغبات، بينما يتناقص الرضا. ولعل المشتتات لا تقتصر علي برامج التواصل الاجتماعي، او الـsocial media. نحن نعيش وسط اشعارات لا تتوقف، واخبار لا تنتهي، ومقاطع قصيره تنتقل بنا من الضحك الي الحزن الي الغضب خلال دقائق، اصبح من الصعب ان نجلس بلا شاشه، او نمشي بلا سماعات، او ننتظر بلا هاتف. كاننا اصبحنا نخاف ان نبقي وحدنا مع افكارنا. ربما السعاده لا تحتاج دائما الي ان نضيف شيئا جديدا الي حياتنا، بل الي ان نزيل منها بعض الضجيج. ان نري اقل، لنقارن اقل. ان نعرف اقل عن حياه الاخرين، لننتبه اكثر الي حياتنا. وان نترك لانفسنا مساحه نشعر فيها بما نملك، قبل ان يخبرنا العالم بما ينقصنا. لم تكن حياه السابقين خاليه من الهموم، وينبغي الا نجمل الماضي اكثر مما يستحق. لكنهم امتلكوا شيئا اصبح نادرا اليوم: ان يعيش الانسان حياته، دون ان يشاهد طوال الوقت الحياه، التي كان يمكن ان يعيشها. م. حسين محمد ارتي