ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alqabasكتاب وآراء بقلم عدنان عبدالله العثمان

«العربي».. من يحفظ مستقبلها؟

«العربي».. من يحفظ مستقبلها؟

كتبت قبل اسابيع عن مجله «العربي»، وعن رحله بدات من بحث تقوم به المعماريه دلال الحشاش، ضمن مشروع توثيق جامع العثمان، حين عثرت اثناء بحثها علي عددين قديمين من المجله، تضمنا ماده مصوره عن الجامع، ومن هناك تساءلت: من يحفظ هذه المجله التي كانت يوما تدخل بيوتنا بانتظام، ارشيفها ونسختها الورقيه؟ وبعد نشر المقال جاءتني ردود ومعلومات جميله، وبعضها صحح لي ما كتبت، فقد تواصل معي الاستاذ ابراهيم المليفي، مدير مجله «العربي»، مشكورا، واوضح لي ان النسخه الورقيه لا تزال تصدر ومتوافره في نقاط التوزيع داخل الكويت وخارجها، وان مشكله التوزيع، التي اشرت اليها عولجت منذ فتره، وهذا خبر اسعدني، لكن السؤال الذي بدا بـ«اين نجد العربي؟»، تحول عندي الي سؤال اكبر: الي اين تذهب «العربي»؟ وجاءني ايضا تعليق من الاخ رياض الشارخ، اخبرني فيه عن مشروع خاله الراحل محمد عبدالرحمن الشارخ، رائد التكنولوجيا العربيه ومؤسس مشروع «صخر»، والذي لم يكتف بالحديث عن اهميه حفظ الثقافه العربيه، بل قام برقمنه اعداد مجله «العربي»، وحفظها ضمن مشروع ثقافي ضخم، واهداه مجانا لوزاره الاعلام، واصبح هذا العمل اليوم متاحا من خلال «ارشيف الشارخ للمجلات الادبيه والثقافيه العربيه»، ودخلت الارشيف، والصراحه اذهلني ما وجدت، فنحن لا نتحدث عن مجله او مجلتين، بل عن مئات المجلات، وما يقارب مليوني صفحه، ومئات الالاف من المقالات لعشرات الالاف من الكتاب، ذاكره ثقافيه عربيه كامله تقريبا، تستطيع ان تدخل اليها اليوم، وتبحث باسم مجله او كاتب او موضوع، وتعود عشرات السنين الي الوراء، وانت جالس في بيتك، وهنا وجدت اجابه عن سؤالي الاول، نعم، هناك من حفظ «العربي»، ولكن بقي السؤال الاصعب: من يحفظ مستقبلها؟ ومن الردود الجميله ايضا ما وصلني من الصديق الدكتور رشيد الحمد، الذي اخبرني انه كان قارئا نهما لـ«العربي» منذ صدورها، بل انه شارك يوما في مسابقه العدد 60، وفاز فيها بجائزه قدرها خمسه دنانير، والطريف ان هذه الجائزه، وحتي كتابه هذه السطور، لم تصله بعد! وكذلك حفيدي عدنان، وعمره خمسه عشر عاما، وهو متابع جيد، ويقرا مقالاتي، ويرد عليها ويعلق، ولكن للاسف باللغه الانكليزيه، فيا حسرتاه علي لغتنا العربيه! قرا عدنان المقال، وارسل لي ملاحظه جوهريه، يتساءل فيها ان كانت زياده المنافسه وتغير وسائل القراءه والمشاهده قد اثرا في قدره المجله علي التميز والوصول الي الاجيال الجديده، وان كان تراجع الجمهور والاشتراكات يمكن ان يقود الي ضغوط ماليه علي اي مطبوعه، واكمل: علي المجله ان تتطور بالقدر الذي يتقبله هذا الجيل. توقفت عند كلامه، ليس لانه حفيدي! بل لان السؤال جاء من فتي في الخامسه عشره، اي من الجيل الذي نريد لـ«العربي» ان تصل اليه، ثم ضحكت من المفارقه. مجله اسمها «العربي»، انشئت قبل نحو سبعه عقود لتوصل الثقافه العربيه من الكويت الي العالم العربي، وحفيدي العربي يناقش معي مستقبلها بالانكليزيه! وهنا ربما تكون القضيه اكبر من مجله. هل نلوم هذا الجيل، لانه اصبح اكثر راحه في التعبير والبحث والقراءه بلغه اخري؟ ام نسال انفسنا ايضا: ماذا فعلنا نحن ومؤسساتنا الثقافيه، لكي نجعل العربيه حاضره وجذابه في عالمهم؟ واذا كان عدنان واقرانه يقضون ساعات امام الهاتف ويوتيوب والبودكاست ومنصات التواصل، فالمطلوب ليس ان نقول لهم: اتركوا كل هذا، وتعالوا اقرؤوا المجله التي كنا نقرؤها نحن، لانهم لن ياتوا بهذه الطريقه، المطلوب ان نذهب نحن اليهم، فالمنافسه اليوم لم تعد بين «العربي» ومجله ثقافيه اخري علي رف المكتبه، بل اصبحت علي وقت الانسان وانتباهه، وربما حتي علي لغته. انا سعيد بان نسخه العربي الورقيه ما زالت موجوده، وان كانت بمحدوديه، وسعيد اكثر بان ارشيفها محفوظ، ولكنني لست مقتنعا بان هذا يكفي للاطمئنان علي مستقبل مجله بهذا التاريخ. فنحن نتحدث عن مشروع ثقافي كويتي سبق استقلال الكويت، ودخل بيوت العرب من المحيط الي الخليج، وكان واحدا من انجح اشكال القوه الناعمه الكويتيه، قبل ان نعرف اصلا مصطلح «القوه الناعمه»، ولهذا اعتقد ان الوقت قد حان لنطرح السؤال بصراحه: هل النموذج الاداري والمالي، الذي يصلح لاداره نشاط حكومي تقليدي، يصلح لاداره مؤسسه اعلاميه ثقافيه مطلوب منها اليوم ان تنافس عالما يتغير كل ساعه؟ ولماذا لا نناقش تحويل «العربي» الي مؤسسه ثقافيه كويتيه مستقله، تحظي بالدعم الذي يليق بتاريخها، وفي الوقت نفسه تملك المرونه الاداريه والماليه وحريه الحركه، التي تمكنها من استقطاب الكفاءات، وصناعه المحتوي الحديث، وتطوير حضورها الرقمي، والوصول الي الاجيال الجديده؟ الاستقلال هنا لا يعني ان تتخلي الدوله عنها، بل ان نحافظ عليها بطريقه تسمح لها بان تعيش وتتحرك وتنافس. فمجله عمرها يقارب سبعين عاما لا يكفي ان يكون هدفنا ان تبقي موجوده علي رف او محفوظه في ارشيف، وانما ان تبقي مقروءه ومؤثره، والغريب انني بدات هذه الحكايه ابحث عن تاريخ جامع، فعثرت علي تاريخ مجله، ثم اكتشفت رجلا حفظ هذا التاريخ، وانتهيت الي حفيد يسالني عن مستقبلها، وصديق يطالبهم بخمسه دنانير! اما مسؤوليتنا اليوم فهي ان نحفظ «العربي» التي ستكون. وتسلمون. عدنان عبدالله العثمان

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓