حفاوه اثينا

تتغير متع الانسان وفق عمره، فقانون الحياه يقول ان متع الانسان وملذاته تقل كلما تقدم في العمر. وبالنسبه لشخص راهن علي الكلمه قراءه وكتابه، فان تقدم العمر به لن ياخذه الا لمزيد من الوحده مع من يحب، ولن يذهب به الا حيث يكون الكتاب. ان تكون في اثينا فانت في تاريخ الفلسفه، والمسرح، والفكر الانساني، وانت ايضا في مدينه حيه، تجمع بين العراقه والحداثه. وهذا ما جعلني اقف مليا امام الدعوه الكريمه التي وجهها الي الشاعر والناشر اليوناني «كونستانتينوس كاتسيكياس-Konstantinos Katsikeas» صاحب دار «ايريني للنشر-Irini Publications» التي اسسها والده المناضل «باسيليوس كاتسيكياس-Vassilios Katsikeas» عام 1973 لتكون اهم دار نشر يونانيه طليعيه تهتم بالادب الانساني. وبالرغم من اني وصلت الفندق صباحا باكرا، فلقد وجدت الرجل بانتظاري وابتسامه ترحيب تعلو وجهه: «كان لا بد ان اكون في لقائك، فانت ضيفي، وضيف الدار، وضيف اليونان، اول كاتب عربي من منطقه الخليج تترجم روايته الي اليونانيه». الانتقال في المكان هو بالضروره انتقال في الفكر والتجربه الانسانيين. في اليوم التالي، جاءني الناشر لياخذني مع زوجتي الي بيت اسرته، وكم مست هذه الحفاوه روحي، لذا شعرت لحظه مقابلتي والده ووالدته باننا وسط اسره اصدقاء، ووسط بيت نعرف رائحه زواياه، وهي مخاطبات القلب ان تدخل بيتا فتشعر انه يخصك وانك فرد من العائله، خاصه وان الاستاذ المترجم روني ابو سابا كان موجودا، وبسبب من خبره الوالد الانسانيه والنضاليه العريضه، فليس لك الا ان تشعر انك احد ابناء اسرته. وصلت الي معرض كتاب اثينا في دورته الرابعه والخمسين قبل محاضرتي بساعه للتعرف علي طبيعه المكان. اعجبتني فكره ان يقام المعرض في اكبر حديقه عامه في العاصمه، في ميدان «اريس» اله الحرب، وسط اشجار معمره، ووسط اصوات الزيز التي تشكل موسيقي طبيعيه خلفيه للمشهد باكمله. غرف صغيره «كابينه» لكل دار نشر، وكتب تفترش الطاولات ووجوه باسمه، بمختلف الاعمار، ونسمات هواء تعطر الجو ماره بين البشر. وجدت مكان المحاضره معدا، لكني نظرت الي زوجتي فلقد حضر عدد قليل ومعظم الكراسي فارغه. وهمست اعزي نفسي: هو جمهور الكتاب والثقافه قليل في كل مكان. لكن سرعان ما وصلني ترحيب الدكتور الشاعر والروائي والمترجم يورغوس كنتروتيس، احد اهم الوجوه المبدعه والاكاديميه، وهو من جهز دراسه نقديه عن روايتي. قدمني الناشر، وبعد الاستماع لمداخله الدكتور يورغوس، تحدث الاستاذ المترجم روني عن رحلته مع ترجمه الروايه. واخيرا، جاء دوري، وحين نظرت الي المقاعد، لفتني انها امتلات تماما وان الحضور وقوفا اكثر من الجالسين. تحدثت بدايه مرحبا بالحضور باللغه الانكليزيه، واخبرتهم بان فضل وجودي بينهم يعود للغه العربيه، وبالتالي لا يمكنني التخلي عنها، ولذا تكلمت بالعربيه، متطرقا الي شيء من سيرتي مع الكتابه، وشيء من عوالم الروايه، وان لحظه العصر التي نعيشها قطعت جسورا كثيره بين البشر، لكن مائده الابداع والثقافه ما زالت عامره، وما زالت قادره علي جمع الاحباب من حولها. لاقي كلامي بالعربيه تقديرا واطراء لم اكن اتوقعه، وقيل لي ان اللغه تحمل موسيقاها في نبراتها ووقفاتها. سريعه مرت المحاضره وتلاها توقيع كتابي، وبعدها حضوري مادبه عشاء علي شرفي وشرف صدور الروايه. عدت الي الفندق، وانا مدوخ بالتقدير والمحبات التي غمرتني واصداء الروايه. اثينا لم تحتف بي بقدر ما احتفت باللغه العربيه التي حملتني اليها؛ فالكاتب يشيخ ويمضي، اما الكلمه فتبقي شابه، تعبر البحار نيابه عنه، وتصافح قراء لن يصافحهم هو ابدا. طالب الرفاعي