سيد جلال.. لا تستقل!

علينا شد الحزام، فالزارعه يمكن ان تنتظر، وان نوقف العلاج في الخارج، فاطباؤنا بارعون ومستشفياتنا مميزه، وان نجعل المواطن يدفع ثمنا، ولو بسيطا للدواء والعلاج، وان نلغي فورا، الدعوم، ونقلل الصرف علي مئات البنود الاخري، لكن عندما ناتي للتعليم، علينا جميعا ان نتروي و«نطق بريك»، فالتربيه الصحيحه تتطلب توافر مسؤول عالي الكفاءه، وطاقم تدريس مميزا، ومدارس جاهزه، ومناهج عصريه، وسخاء في الصرف، فالتعليم لم يكن يوما ترفا، في اي دوله او مجتمع، لكي نبخل عليه، بل هو واجب وفرض لا يسبقه اي امر، وهو عماد خلق المواطن الصالح الذي يمكن للدوله ان تعتمد عليه مستقبلا، طبيبا او مهندسا او معلما او ممرضا، فكامل وجودنا ومكانتنا بين امم الارض، يعتمد تماما علي مستوي التعليم، فان اهملناه، بشريا وماديا، وقترنا عليه، فستكون التكلفه باهظه، وربما قاتله، مستقبلا، وسينتشر الضرر عبر كل نسيج المجتمع ويطيح الاقتصاد ويخلخل الامن، ويقلل الانتاجيه، ويضعف المنافسه، في عالم سريع التطور والتغير، وستنتهي الحال بنا، في احسن الاحوال، لدوله ريعيه، فاشله، ولا شيء اكثر، فمع فشل التعليم يفشل كل امر اخر، وهذا سيفقر الدوله من راسمالها البشري الاثمن، وستتسع الفجوه الطبقيه، وسيضعف الوعي الصحي، وسيتحول المجتمع لبيئه خصبه للتطرف والتجنيد الايديولوجي، وستزول جهود محاربه الفساد، وتكثر الجريمه والانحراف، وستتضاءل ثروتنا البشريه، فدول عديده فقيره بكل شيء، مثل كوريا و«كيب فيردي» وسنغافورا وفنلندا، اصبحت غنيه بفضل التعليم، فقط، واخري ثريه نقدا وبالموارد الطبيعيه، لكنها تراجعت بسبب تخلف نظام التعليم فيها. فضريبه التعليم السيئ ليست ماليه، بل هي دين مركب (Compound Debt) يتراكم بصمت عبر الاجيال، ولا يظهر اثره الكامل الا بعد عقود، حين يصبح تصحيحه اصعب بكثير واكثر كلفه مما لو استثمر فيه مبكرا. وكما يقال: اذا كنت تظن ان التعليم مكلف، حاول ان تجرب الجهل. * * * ليس من حقي مطالبه السيد جلال بالاستقاله، لاسباب لا تخفي علي اللبيب، لكن وضع «التربيه» بئيس بالفعل، ومن الظلم تحميله فردا او جهه، بعد ان شاركت معظم حكوماتنا، منذ ستينيات القرن الماضي، في خلق هذا التراكم السلبي، بحيث اصبح العلاج اكبر من قدره «السيد»، او غيره بكثير، وكان يفترض انه عرف صعوبه المهمه، خاصه انه في تقديري اخفق في انجاز اسهل الامور، مثل توفير الكتب، المفقوده حتي الان، وتجهيز المدارس ورفدها بحاجتها من المدرسين المدربين جيدا، فما بالك بالامور الاكثر تعقيدا وخطوره والحاحا؟! وفي هذا السياق قد اتفهم قراره بالاستغناء عن الاف المدرسين، بحجه عدم الحاجه لهم، لكن ماذا يفعل 33 الف مدرس في وزاره الاوقاف (؟!) * * * هذا الترقيع الذي نراه في «التربيه»، راينا ما يماثله في «الكويتيه»، علي مدي اكثر من نصف القرن، وكانت النتيجه اننا اضعنا اكثر من عشره مليار دولار، لنكتشف بعدها ان الحل يكمن في «التفكير خارج الصندوق». وبالتالي ما نحن بحاجه اليه في موضوع التعليم، هو التفكير خارج الصندوق. فقد سبق ان قامت الدوله بالاستعانه بجهات عده «متخصصه وعالميه» لتطوير انظمه «التربيه»، لكنها، حسبما يقال، فشلت في مهامها، والسبب برايي، عجزنا عن فهم اهدافها، ورفضنا التعاون معها، وغالبا بسبب «تدخلات معينه»، والدليل ان هذه الجهات نفسها نجحت في تطوير انظمه التعليم في دول كثيره، ومنها شقيقات خليجيات. كما ان غالبيه شكاوي كبار اداريي الشركات الخاصه تتركز علي ضعف مخرجات جامعاتنا ومدارسنا، وافتقادهم لروح التحليل والتحدي، والتفكير النقدي، وهم الغالبيه اداء الروتيني من المهام، وقبض الراتب والمطالبه بالترقيه والتقدير الوظيفي. * * * «مبهر بدرجه استثنائيه»! هذا ما قالته البارونه سميث، وزيره الدوله البريطانيه للتعليم، خلال زيارتها مركز ضمان وضبط جوده التعليم.. السعودي. احمد الصراف