ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alqabasكتاب وآراء بقلم د. عبدالحميد الشايجي

كليه الشريعه… من المسؤول عن الازمه؟ (2)

كليه الشريعه… من المسؤول عن الازمه؟ (2)

في المقال الاول من هذه السلسله، توقفنا عند سؤال فرضه تراجع القبول في كليه الشريعه:لماذا لم يعد الطالب يري في التخصص مستقبلا واضحا بالقدر الذي يراه في تخصصات اخري؟لكن السؤال التالي اكثر صعوبه: من المسؤول عن البيئه التي جعلت الطالب يعيد حساباته؟ ليس من الانصاف ان نضع المسؤوليه كلها علي الدوله، كما ليس من الانصاف ان نضعها كلها علي الكليه.فالازمه، اذا اردنا قراءتها بموضوعيه، لا يصنعها طرف واحد، وانما تقع عند نقطه التقاء ثلاثه مسارات: السياسه العامه… وسوق العمل… والمؤسسه الاكاديميه. ومن هنا تبدا القراءه الاكثر انصافا. اولا: حين يبدا الاختيار الجامعي من سوق العمل الجامعه ليست جزيره معزوله عن الوظيفه. فالطالب الذي يختار تخصصه اليوم يفكر في الوظيفه التي سيبحث عنها غدا، وفي الابواب التي ستفتحها شهادته امامه بعد اربع سنوات او اكثر. ولذلك فان اي تغيير في شروط الالتحاق بالمهن ومساراتها لا يبقي محصورا في اللوائح، بل يمتد اثره الي اختيارات الطلبه انفسهم. وهنا تبرز التطورات الاخيره في منظومه العداله؛ فقد اتجه تنظيم القضاء الجديد الي قصر التعيين في الوظائف القضائيه مستقبلا علي المؤهل القانوني، مع حمايه المراكز القانونيه القائمه، كما اتجه تنظيم مهنه المحاماه الي تشديد المسار المهني المرتبط بالتاهيل القانوني. وليس المقصود هنا الاعتراض علي حق الدوله في تنظيم مهنها، ولا علي الحاجه الي تاهيل قانوني متخصص للعاملين في منظومه العداله.وانما المقصود التنبيه الي اثر اخر ينبغي الا يغيب عن صانع القرار: حين تضيق مسارات مهنيه امام تخصص جامعي، فان ذلك يؤثر بالضروره في جاذبيه هذا التخصص لدي الطالب. وهذا اثر تعليمي ومجتمعي يستحق ان يقرا ضمن الصوره الكامله. ثانيا: هل يصبح خريج الشريعه خريج الاوقاف؟ هنا نصل الي مشكله اعمق من الوظيفه ذاتها.اذا انحصرت الصوره الذهنيه لخريج الشريعهفي الامامه والوعظ والارشاد والعمل في الجهات الدينيه، فاننا نكون قد اختزلنا تخصصا واسعا في دائره ضيقه. فالعلوم الشرعيه قادره علي ان تتقاطع مع القانون، والاقتصاد والتمويل الاسلامي، والتربيه، والاسره، والاعلام، والسياسات العامه، والبحث العلمي، واخلاقيات التقنيه، وغيرها من المجالات. لكن السؤال ليس: هل يستطيع خريج الشريعه ان يعمل في هذه المجالات؟ السؤال الاهم: هل اعددناه لها؟وهل صنعت مؤسساتنا الاكاديميه مسارات واضحه توصله اليها؟ فليس كافيا ان نقول ان الشريعه تصلح لهذه المجالات؛ بل ينبغي ان يري الطالب ذلك واقعا في البرامج، والمقررات، والتدريب، والشراكات، والمسارات المهنيه. ثالثا: وهنا تبدا مسؤوليه الكليه من السهل ان تقول الكليه ان سوق العمل تغير، وان بعض ابواب الوظائف اغلقت. لكن المؤسسه الاكاديميه لا تستطيع ان تقف عند حدود الشكوي. فالكليه التي تريد ان تستقطب الطالب المتفوق مطالبه بان تقدم له اجابه مقنعه عن سؤال المستقبل: ماذا ساصبح بعد التخرج؟ وهنا تبرز اسئله تستحق ان تطرحها الكليه علي نفسها، لا بوصفها اسئله اتهام، وانما بوصفها اسئله مراجعه وتطوير: هل طورت برامجها بالقدر الكافي؟ هل تدرس بصوره دوريه مسارات خريجيها؟ هل تعرف احتياجات سوق العمل الحاليه والمستقبليه؟ هل بنت شراكات فاعله مع مؤسسات الدوله والقطاع الخاص؟ هل تمنح الطالب مهارات تطبيقيه الي جانب التاهيل الشرعي؟ وهل يستطيع الطالب ان يري امامه اكثر من مسار مهني واضح؟ هذه ليست اسئله ضد الكليه. بل هي اسئله من اجل الكليه. فالجمود لا يحمي التخصص، بل قد يجعل الاخرين يقررون مستقبله نيابه عنه. رابعا: لا الدوله وحدها مسؤوله… ولا الكليه وحدها في المقابل، لا يمكن ان نطالب كليه الشريعه بان توجد وحدها سوقا للعمل.فالدوله ترسم جزءا كبيرا من البيئه المهنيه، وتحدد شروط الالتحاق بالمهن وتنظم مساراتها. واذا كانت الدوله تريد تخصصات جامعيه قويه، فعليها ان تنظر الي قراراتها التعليميه والمهنيه بوصفها منظومه واحده، لا قرارات منفصله. فالقرار الذي ينظم مهنه ما قد يكون صحيحا من زاويه مهنيه، لكنه يحتاج في الوقت نفسه الي قراءه اثره علي التعليم، وعلي اختيارات الطلبه، وعلي مستقبل التخصصات التي كانت تغذي تلك المهنه.وهنا لا نحتاج الي تبادل الاتهامات، بل الي تنسيق السياسات واستشراف اثار القرارات قبل ان تتحول الي نتائج يصعب علاجها. فالتعليم لا يعيش منفصلا عن سوق العمل، وسوق العمل لا يعيش منفصلا عن التشريع، والتشريع لا ينبغي ان يغفل اثره في منظومه التعليم. خامسا: اخطر ما يمكن ان يحدث الخطر الحقيقي ليس انخفاض القبول وحده. الخطر ان تبدا دائره يصعب كسرها: تضييق بعض المسارات المهنيه تراجع جاذبيه التخصص انخفاض الاقبال انخفاض اعداد الطلبه الحديث عن كلفه الكليه وجدواها التفكير في تقليص البرامج او اعاده الهيكله. وعندها نكون قد وقعنا في مفارقه خطيره: نصنع الظروف التي تقلل الاقبال علي الكليه، ثم نعود فنحاسب الكليه علي انخفاض الاقبال. وهذه ليست دعوه الي اعفاء الكليه من مسؤوليتها، وانما دعوه الي ان تكون المحاسبه عادله، وان تقرا الاسباب قبل النتائج. فاذا اردنا علاج انخفاض الاقبال، فلا يكفي ان نسال: لماذا انخفض عدد الطلبه؟ بل يجب ان نسال اولا: ما الذي جعل الطالب يعيد التفكير في اختياره؟ سادسا: الدمج… هل هو حل؟ عندما تنخفض اعداد الطلبه، يظهر الحديث عن اعاده الهيكله او الدمج. لكن الدمج لا ينبغي ان يكون نقطه البدايه، بل نتيجه لدراسه اكاديميه ومهنيه تجيب عن سؤال اكبر:هل سيجعلنا الدمج اكثر قدره علي تخريج كفاءات يحتاج اليها المجتمع؟ فان كان الدمج سيوجد برامج اقوي، ويوسع فرص الخريجين، ويحافظ علي العمق العلمي، ويحقق تكاملا حقيقيا بين التخصصات، فهو خيار يستحق الدراسه. اما اذا تحول الي مجرد استجابه للعدد او الكلفه، فنحن لا نعالج اصل المشكله، وانما ندير نتائجها. فالقرارات الكبري المتعلقه بمستقبل الكليه ينبغي ان تبني علي صوره اوسع تشمل اعداد الطلبه، ومسارات الخريجين، واحتياجات سوق العمل، وجوده البرامج، وكلفه التعليم، ومستقبل التخصص، لا علي مؤشر واحد مهما كانت اهميته. وبعد ان عرفنا المسؤوليه… ماذا نفعل؟ اذا كانت المسؤوليه مشتركه، فان الحل يجب ان يكون مشتركا ايضا. الدوله مطالبه بان تنظر الي اثر قراراتها المهنيه في منظومه التعليم. والجامعه مطالبه بان تربط برامجها بحاجات المجتمع المتغيره.وكليه الشريعه مطالبه بان تعيد تعريف افاق خريجها، لا ان تكتفي بالدفاع عن صورتها التقليديه. اما الطالب، فلا ينبغي ان نطالبه بان يختار الشريعه بدافع عاطفي فقط. بل علينا ان نقدم له اسبابا علميه ومهنيه مقنعه تجعله يختارها وهو مطمئن الي ان العلم الذي يتلقاه اليوم سيكون قادرا علي بناء مستقبله غدا. فالمطلوب ليس ان نبقي الطالب في كليه الشريعه باي وسيله.المطلوب ان نجعل كليه الشريعه خيارا مقنعا للطالب المتفوق. وهنا نصل الي السؤال الاصعب في هذه السلسله: اذا كنا لا نريد لكليه الشريعه ان تتقلص، فكيف نعيد بناءها لتصبح كليه يحتاج اليها المستقبل؟ هذا هو السؤال الذي سنحاول الاجابه عنه في المقال الثالث. الزبده 1. ازمه كليه الشريعه ليست مسؤوليه طرف واحد؛ فهي نتاج تفاعل بين السياسه العامه، وسوق العمل، واداء المؤسسه الاكاديميه. 2. تنظيم القضاء والمحاماه شان مهني وتشريعي، لكن اثره في جاذبيه تخصص الشريعه واختيارات الطلبه ينبغي ان يكون حاضرا في النقاش. 3. لا يجوز اختزال خريج الشريعه في الوظائف الدينيه التقليديه، كما لا يجوز للكليه ان تنتظر من الدوله وحدها ان تفتح له ابواب المستقبل. 4. مسؤوليه الدوله ان تنسق بين سياساتها التعليميه والمهنيه، ومسؤوليه الكليه ان تطور برامجها ومخرجاتها لتكون جديره بالمسارات الجديده. 5. اخطر ما يمكن ان يحدث ان نصنع اسباب تراجع الاقبال، ثم نعود الي الكليه لنحاسبها علي النتيجه. 6. الدمج ليس حلا عدديا او ماليا، بل خيار اكاديمي لا يقبل الا اذا كان سيصنع برامج اقوي وخريجا اكثر قدره علي خدمه المجتمع. 7. الهدف ليس ابقاء الطالب في كليه الشريعه باي وسيله، بل جعلها خيارا مقنعا للطالب المتفوق علميا ومهنيا ومستقبليا. د. عبد الحميد الشايجي

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓