«اسيلومار» الذكاء الاصطناعي

قبل ما يزيد علي 50 عاما، في شتاء عام 1975 تحديدا، اجتمع نحو مئه وخمسين من كبار علماء البيولوجيا في بلده «اسيلومار» الساحليه بولايه كاليفورنيا في الولايات المتحده الامريكيه، لياخذوا ما قد يبدو اليوم اقرب الي الاسطوره منه الي الواقع، حيث ادركوا انهم علي اعتاب ثوره ستغير مفاهيم الطب والزراعه والصناعه الي الابد! اكتشفوا ان بمقدورهم قص ولصق الجينات، كما يقص الورق ويلصق. العجيب انهم قرروا ان يوقفوا ابحاثهم طواعيه وبانفسهم، قبل ان يجبرهم احد، واتفقوا علي قواعد حكمت هندسه الجينات لنصف قرن. والكثير قد لا يعلم ان هذا المشهد تكرر مع الذكاء الاصطناعي، ففي شتاء عام 2017، وفي البلده ذاتها، جمع معهد «مستقبل الحياه» اكثر من مئه من الباحثين والمفكرين، فخرجوا بثلاثه وعشرين مبدا وقع عليها الالاف، حث احدها صراحه المطورين علي التعاون وتجنب السباق كي لا تختصر معايير السلامه. لكن، شتان بين الاجتماعين، فالاول انتج قواعد ملزمه طبقت في المختبرات، والثاني انتج مبادئ طوعيه للخوارزميات بلا اداه تنفيذ. وبعد تسع سنوات فقط، اندلع السباق، الذي حذرت منه تلك المبادئ، وتوالت الدعوات، اخرها حين وقف جاك كلارك، احد مؤسسي شركه «انثروبيك»، امام كاميرا «بي بي سي»، ليقول جمله واحده مختصره: «صناعه الذكاء الاصطناعي تملك دواسه وقود، لكنها لا تملك دواسه مكابح». اللافت ان السيد كلارك لا يتحدث من خارج السياره، بل من مقعد السائق، وحين يخبرك السائق نفسه ان المركبه تفتقر الي الفرامل، فالحكمه تقتضي الاصغاء، لكن علي حساب ماذا. لا شك ان الحكايه لا تنتهي عند هذا الحد، فثمه مفارقه وجب علينا الانتباه لها، فمن يطالب اليوم بوضع المكابح هو نفسه من يقود السياره، وباقصي سرعه، حيث تستعد كبري شركات الذكاء الاصطناعي للادراج في الاسواق العالميه بتقييم يقترب من تريليون دولار، في سباق محموم. والتاريخ الاقتصادي يعلمنا ان الشركات الكبري نادرا ما تطالب بتنظيم صناعتها الا حين يخدمها التنظيم، فيبقي الميدان حكرا علي الذين طالبوا بالقواعد اصلا. راينا كيف وجهت منصات التواصل الاجتماعي، وعبر خوارزمياتها واستخدامها لبيانات ملايين المستخدمين دون علمهم، الراي العام، بل تم رصد حالات موثقه لمراهقين اذوا انفسهم، او اقدموا علي الانتحار بعد محادثات مطوله مع روبوتات ذكاء اصطناعي لم تبرمج للتعامل مع الازمات النفسيه. هذه ليست اخطاء عابره في تكنولوجيا واعده، بل هي نمط متكرر يذكرنا بان الخوارزميه حين تترك بلا حوكمه تعيث في الارض فسادا، وبصمت اشد ايلاما من ضجيج الاله. نكتب هذه السطور بينما نشارك في تبادل الرؤي والافكار مع قاده الفكر وصناع السياسات من حول المعموره في المنتدي العالمي الرابع لليونسكو لاخلاقيات الذكاء الاصطناعي 2026. في رياض الخير بالشقيقه الكبري، يتشارك قاده العالم في رسم حدود «الحوكمه الخوارزميه»، ولعلنا نفرد مقالا قادما يلخص الدروس والتجارب المستعرضه، وما اكثرها. يا كرام، لسنا امام سياره واحده علي الطريق، بل امام سباق. وحين يكون المتصدر هو من يقترح حدود السرعه، فمن حقنا ان نسال: هل يريد حمايه الطريق، ام ترتيب المتسابقين ليضمن الصداره؟ قواعد الطريق الحقيقيه لا يكتبها المتسابقون وحدهم، بل تصاغ قبل وقوع الحادث لا بعده، ويشارك فيها الجميع: العلماء، والحكومات، والمجتمع، والمنافسون، الصغار قبل الكبار، بل والماره الذين لم يختاروا ان يكونوا علي جانب الطريق. عندها فقط نستطيع ان نقول اننا صنعنا «اسيلومار» الذكاء الاصطناعي. د. ضاري عادل الحويل