ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alqabasكتاب وآراء بقلم د. غدير محمد اسيري

هل التعليم اهم من التدريس؟

هل التعليم اهم من التدريس؟

ثمه فارق جوهري بين التعليم والدراسه، فالدراسه ترتبط غالبا بكتاب ومقرر واختبار وشهاده، بينما التعليم عمليه ممتده تهدف الي بناء الانسان وتوسيع وعيه وتنميه قدرته علي التفكير والتحليل والاختيار والتفاعل مع الحياه، وقد ينجح الطلاب في الدراسه ويحصلون علي اعلي الدرجات، لكنهم لا يصبحون متعلمين بالمعني الحقيقي اذا افتقدوا الفضول العلمي والثقافه العامه والقدره علي الحوار وحل المشكلات، ومن هنا يظهر ايضا الفرق بين التعليم والتدريس، فالتدريس هو نقل منظم للمعلومات والمهارات داخل الصف او قاعه المحاضرات او المؤسسات التعليميه، اما التعليم فهو الاثر الذي يبقي بعد انتهاء المحاضره، وهو التحول الذي يحدث في طريقه تفكير الطالب ونظرته الي ذاته ومجتمعه والعالم، فالجامعه الحديثه لا يفترض ان تكون مكانا لتلقي المعلومات فقط، بل مساحه للبحث والنقاش والتجربه والابداع، ومؤسسه تعد المواطن للمشاركه في التنميه وصناعه القرار والتعامل الواعي مع التحولات الاقتصاديه والتكنولوجيه والاجتماعيه. بدا التعليم النظامي في دوله الكويت من اراده اهليه ادركت مبكرا ان المعرفه اساس التقدم، وشكل تاسيس المدرسه المباركيه في مطلع القرن العشرين محطه مهمه في الانتقال من انماط التعليم التقليديه الي التعليم المنظم، ثم توسعت المدارس والبعثات والمؤسسات الاكاديميه حتي اصبح التعليم ركنا اساسيا في بناء الدوله الحديثه، غير ان الوفاء لهذه البدايات لا يكون بالاكتفاء بما تحقق، بل بمواصله التطوير وفتح قنوات دائمه مع العالم الحديث، فالمعرفه اليوم عابره للحدود، والجامعات المرموقه لم تعد تعمل بوصفها جزرا منفصله، بل ترتبط بشبكات بحثيه ومختبرات وشركات ومؤسسات مهنيه ومراكز ابتكار عالميه، ولذلك تهتم دوله الكويت بتوسيع الشراكات الاكاديميه الدوليه، وتبادل الطلبه والاساتذه، واستضافه البرامج المشتركه، وربط المناهج بالذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والصناعات الابداعيه، مع المحافظه علي الهويه الوطنيه واللغه العربيه والقيم المجتمعيه، فالانفتاح الواعي لا يعني التقليد، بل يعني اختيار افضل التجارب العالميه وتطويرها بما يناسب احتياجات الدوله وطموحات ابنائها. تثبت التجارب العالميه ان التعليم الحقيقي قادر علي تغيير مستقبل الدول، وتقدم كوريا الجنوبيه مثالا ناجحا، فقد جعلت التعليم والبحث العلمي والتدريب التقني ركائز اساسيه في مشروعها التنموي، وربطت الجامعات بالمؤسسات الصناعيه ومراكز الابتكار، فانتقلت خلال عقود من دوله محدوده الموارد الي قوه عالميه في التكنولوجيا والصناعه والاقتصاد المعرفي، ولم يتحقق ذلك بكثره الشهادات او بتلقين المناهج، بل ببناء منظومه تعليميه تحترم المعرفه وتدعم الابداع وتمنح الكفاءه قيمه حقيقيه، ويمكن لدوله الكويت ان تطور نموذجها الخاص من خلال تحويل الجامعات الي محركات للتنميه، وتشجيع البحوث المرتبطه بالتحديات الوطنيه، واشراك القطاع الخاص في تصميم البرامج الاكاديميه والتدريبيه، وقياس جوده التعليم بقدره الخريج علي التفكير والانتاج والابتكار، لا بقدرته علي حفظ المقرر فقط، كما ينبغي ان تصبح المؤسسات التعليميه المرموقه شريكا في صياغه المستقبل، لا مجرد جهه تمنح الدرجات العلميه، ان الانتقال من مفهوم الدراسه الي مفهوم التعليم هو انتقال من انتظار الوظيفه الي صناعه الفرصه، ومن استهلاك المعرفه الي انتاجها، ودوله الكويت تمتلك الامكانات البشريه والماليه والتاريخ الثقافي الذي يؤهلها لتحقيق هذه النقله، ومع رؤيه واضحه واداره تعليميه شجاعه وانفتاح متوازن علي العالم، يمكن ان تصبح قاعاتها الدراسيه نقطه انطلاق لجيل اكثر ثقه وابتكارا، جيل يبني اقتصادا متنوعا ومجتمعا متماسكا ومستقبلا يليق بطموح دوله الكويت وشعبها المحب للتطور والانجاز. ودمتم سالمين،،، د. غدير محمد اسيري

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓