ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alqabasكتاب وآراء بقلم د. محمد الوهيب

«نازا»: الكاميرا التي كشفت عار جيش الاحتلال

«نازا»: الكاميرا التي كشفت عار جيش الاحتلال

خمس وعشرون دقيقه من التصفيق وقوفا، هذا ما استقبل به جمهور مهرجان البندقيه السينمائي فيلما وثائقيا، لا ينتمي الي صخب هوليوود ولا بريق بوليوود، بل يحمل اسما مقتضبا: «نازا». لم استطع، وانا اتابع اصداء هذا المشهد، الا ان اتوقف عنده طويلا؛ فما حدث بعده كان ابلغ دلاله مما حدث في القاعه نفسها: لم يمض اسبوع واحد علي العرض حتي وقف احد الوزراء الاسرائيليين يهدد بسحب الجنسيه من صانعي الفيلم. خلف الكاميرا اسمان: يوفال ابراهام وراحيل زور. واسم ابراهام ليس غريبا عمن يتابع السينما المستقله؛ فهو من اخرج من قبل «لا ارض اخري»، الفيلم الذي نال الاوسكار عام 2025، وروي الم مجتمعات فلسطينيه اقتلعت من ارضها في الضفه الغربيه. غير ان ما لفت انتباهي هذه المره هو تبدل زاويه النظر: «لا ارض اخري» وجه عدسته نحو الضحيه، اما «نازا» فقد اختار ان يواجه الجلاد بنفسه. اربعه وعشرون شاهدا، جميعهم من رجال الجيش والاستخبارات الاسرائيليه، تحدثوا في غرف مظلمه عن كيفيه استخدام الذكاء الاصطناعي في تحديد من يعيش ومن يموت في غزه. ليست هذه، بحسب ما يرويه الفيلم، حادثه عابره او خطا ميدانيا يمكن تبريره، بل هو نظام كامل، مصمم بعنايه ودقه. وحين وقف ابراهام يتسلم الجائزه، لم يجامل احدا؛ قال بكل وضوح: «الانكار وحده هو ما يبقي الجريمه حيه»، قالها بلا تردد، مضيفا ان ما يعنيه اكثر من اي شيء اخر ان يشاهد الاسرائيليون هذا الفيلم، هم اولا قبل سواهم. لم يكن رد الفعل الرسمي مفاجئا لمن يعرف طبيعه اللحظه السياسيه. وزير الثقافه ميكي زوهار وصف الفيلم بـ«البغيض»، واتهم صانعيه بكراهيه الذات وبخيانه الوطن سعيا وراء التصفيق، معلنا نيته التحرك لسحب جنسيتهما. اما وزير الامن القومي بن غفير فذهب ابعد من ذلك، اذ وصف المخرجين بـ«العار علي اسرائيل»، وطالبهما بمغادره البلاد. الحقيقه الاهم، والتي نادرا ما تجد طريقها الي العناوين، هي ان اسرائيل ليست صوتا واحدا. صحيفه هارتس كتبت في افتتاحيتها ان «هذا الفيلم يجبر الاسرائيليين علي مواجهه ما يعرفونه اصلا»، وان ثمه «وصمه سوداء في الطريقه، التي اديرت بها هذه الحرب». يوسف جبارين، رئيس الجبهه اليساريه، شكر المخرجين علنا علي شجاعتهما في كشف ما اعتبره جرائم جيش الاحتلال. لم يكن المجتمع الاسرائيلي يوما صوتا واحدا، ولن يكون. يوفال ابراهام وراحيل زور اسرائيليان وفق اوراقهما الثبوتيه، خدما في الاستخبارات وفي سلاح الجو، ولكنهما قررا ان ينظرا الي دولتهما من الداخل، والا يهربا من قول الحقيقه كما راياها. وقول الحقيقه ليس يسيرا ابدا، بل ان ثمنه باهظ جدا: تهديدات بالقتل، شتائم لا تنقطع، واحتمال حقيقي بفقدان الجنسيه الوحيده التي يحملانها. ما فعلاه اكبر بكثير من مجرد موقف سياسي، انه الشكل الذي يتخذه الضمير حين يكون حيا فعلا. الموت مستمر في غزه، والالم متجذر عند البعض في اسرائيل، وثمانون عاما تقريبا من الحزن تثقل كاهل الطرفين معا. ووسط هذا الزحام من الاصوات والاقلام الماجوره، التي تتغذي علي استمرار الصراع، اجدني مقتنعا بان بعض الامور تستحق التوقف عندها والتامل فيها مطولا: ان هناك -- من طرفي الصراع -- من يختار قول الصدق، حتي في احلك فصول الحرب واشدها قتامه؛ ان هناك من يقرر التفكير باستقلاليه وعدم مسايره القطيع مهما ترتب علي ذلك من تبعات قاسيه. وهذا، علي عكس ما قد يظنه البعض، ليس ضعفا علي الاطلاق؛ بل هو السبيل، ربما الوحيد، الذي قد يقود الجميع يوما ما نحو السلام. د. محمد الوهيب

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓