الشغف لا يصنع المحترفين

لست مقتنعا بكل تلك النصائح التي تقول: «اتبع شغفك، وسياتي النجاح». فالشغف جميل، لكنه متقلب. ياتي ويذهب، يرتفع في البدايات، ويضعف مع التكرار والضغوط. واذا كان نجاحنا في العمل مرهونا بان نستيقظ كل صباح متحمسين لما نفعله، فربما لن ننجز الكثير. لصاحبها.. «الشغف يحرك الهواه، المسؤوليه تحرك المحترفين، والفضول يحرك العباقره». الهاوي يعمل عندما يشعر بالرغبه. يتحمس لفكره فيبداها، ثم قد يفقد حماسه عندما تصبح صعبه او ممله. اما المحترف فلا يسال نفسه كل صباح: هل لدي شغف للعمل اليوم؟ هو يعرف ان هناك مسؤوليه، والتزاما، واشخاصا يعتمدون عليه، ونتيجه يجب ان تتحقق. فالطبيب لا يستطيع تاجيل مرضاه لانه لم يستيقظ بشغف. والطيار لا يقود طائرته عندما يكون متحمسا فقط. وكذلك المدير والموظف ورجل الاعمال؛ الاحتراف يبدا عندما يصبح اداؤك مستقلا عن مزاجك. في بيئه الاعمال، بالغنا احيانا في تقدير الشغف حتي اصبح وكانه شرط للتوظيف والنجاح. نسال المرشح: «ما شغفك؟»، ونبحث عن الموظف المتحمس، ونردد عبارات مثل «افعل ما تحب». لكن ماذا لو كنت لا تحب كل ما تفعله؟ الحقيقه ان معظم الوظائف، حتي التي نحبها، تحتوي علي اجزاء ممله ومتكرره وضاغطه. النجاح لا ياتي من حب كل هذه التفاصيل، بل من القدره علي القيام بها بالجوده نفسها حتي عندما لا نحبها. وهنا ياتي دور المسؤوليه. المحترف يحضر في الوقت الذي وعد به، ينجز ما التزم به، يعترف بخطئه، ويكمل المهمه عندما تختفي متعه البدايه. لا يحتاج الي من يشعل حماسه كل اسبوع، لانه لا يعمل بالحماس وحده؛ بل بالانضباط. لكن هناك مستوي اخر يتجاوز حتي الاحتراف: الفضول. فالفضول هو الذي يجعل الانسان يسال: لماذا نفعل هذا بهذه الطريقه؟ هل هناك طريقه افضل؟ ماذا لو جربنا شيئا مختلفا؟ لماذا نجح المنافس؟ ولماذا فشلنا نحن؟ المسؤوليه تجعلك تنجز عملك، اما الفضول فيجعلك تطوره. ولذلك تجد بعض اكثر الاشخاص تميزا لا يكتفون باتقان تخصصهم، بل يقراون خارجه، ويسالون كثيرا، ويجربون، ويربطون بين اشياء قد لا تبدو مترابطه. انهم لا يريدون فقط معرفه كيف يعمل الشيء، بل لماذا يعمل، وكيف يمكن ان يعمل بصوره افضل. لا اقول ان الشغف سيئ. وجوده نعمه، وقد يجعل الرحله اجمل. لكن الخطا ان نجعله المحرك الاساسي لمسيرتنا المهنيه. لانك في الايام الصعبه لن تحتاج الي شغفك بقدر ما ستحتاج الي مسؤوليتك، وعندما تصل الي مرحله الاتقان لن يرفعك الي المستوي التالي الا فضولك. لذلك، لا تقلق كثيرا ان لم تكن «شغوفا» بعملك كل صباح. الشغف قد يجعلك تبدا، والمسؤوليه تجعلك تستمر، والفضول قد يجعلك تسبق الجميع. م. حسين محمد ارتي