قبل ان نوثق الزواج.. هل اعددنا الانسان للحياه؟

قرار الكويت الاخير باعتماد دوره الزاميه للمقبلين علي الزواج، وجعل اجتيازها شرطا لتوثيق عقد الزواج، قرار في محله، وخطوه تستحق الاشاده، لانها تذكرنا بحقيقه ضاربه في التاريخ: ان الاسره ليست امرا خاصا وفرديا فحسب، بل شانا عاما، لا تكاد تخلو اي سياسه عامه من النظر اليه وتوجيهه، لانها في النهايه تتعامل مع الانسان من حيث هو ابن وزوج واب وام، ومن ثم مواطن. ولعل اجمل ما في هذا القرار انه ينقلنا من التفكير في الزواج بوصفه لحظه لتوثيق عقد، الي النظر اليه باعتباره بدايه لمسؤوليه مطلوبه، تتشكل خلالها اسره، وينشا اطفال، وتبني شخصيات، ويتاثر مجتمع باكمله. فالزواج، هذه المؤسسه العظيمه التي هي من ايات الله العظمي «ومن اياته ان خلق لكم من انفسكم ازواجا لتسكنوا اليها» ، لا يجمع شخصين فقط، وانما يجمع تاريخين، يجمع خطي حياه وعائلتين ممتدتين... كل انسان يدخل الي زواجه حاملا معه ما تعلمه عن الحب، وما راه في بيته، وطريقه والديه في الاختلاف والتعبير والاحتواء. ولهذا قد يحمل الانسان الي بيته الجديد اشياء لم يخترها اصلا، لكنه تعلمها منذ طفولته واصبحت جزءا من سلوكه في العلاقات. ومن هنا تاتي قيمه التاهيل والتدريب قبل الزواج. ليس المقصود ان نعلم الشاب والفتاه حقوقهما وواجباتهما فقط، وانما ان نساعدهما علي معرفه نفسيهما، وفهم الاختلاف بينهما، واكتساب مهارات الحوار، وفهم الاحتياجات والحدود، وتحمل المسؤوليه، وبناء الامان والموده داخل العلاقه. فكل المعلومات ضوضاء وشتات ان لم تتحول الي سلوك. والزواج الناجح ليس زواجا بلا اختلاف، وانما علاقه يعرف فيها الطرفان كيف يختلفان دون ان يفقد احدهما امانه او كرامته، والاهم ان يعودان للتوازن بالترقي في اهميه المحافظه علي الرابطه الاسمي للاسره سريعا. وقد اختصر القران العظيم هذا المعني في ايه عظيمه: «لتسكنوا اليها وجعل بينكم موده ورحمه» ... السكن والموده والرحمه ليست كلمات جميله تقال في عقد الزواج، بل هي مسؤوليه وممارسه وثقافه داخل البيت، تبدا من وعي الانسان بنفسه وبالشخص الذي اختار ان يشاركه حياته. ومن هنا، اري ان قرار الكويت يمكن ان يكون بدايه لشيء اكبر من دوره الزاميه. يمكن ان يكون نواه لمنظومه وطنيه للوقايه الاسريه وجوده الحياه داخل الاسره، ثم نموذج خليجي تتبادل فيه دولنا الخبرات والتجارب الناجحه، ويستمر فيه التاهيل مع مراحل الاسره المختلفه، لان احتياجات الانسان تتغير، ومسؤولياته تتسع، والاسره نفسها تنمو وتتطور. وربما تكون هذه فرصه لان نعيد تعريف مفهوم «التاهيل قبل الزواج» نفسه؛ فلا يكون مجرد معلومات تقدم للمقبلين علي الزواج، فهذا من الممكن ان يدرك من قراءه كتاب او مذكره، بل المراد هو ان يطلع الجيل الجديد علي تجارب تساعد الانسان علي ان يري نفسه بوضوح، ويفهم معني الشراكه وضرورتها، ويتعلم كيف يصنع بيتا يشعر فيه الانسان بالسكن، ويكبر فيه الابناء علي الامان والاتزان والانتماء. فاذا كنا نريد مجتمعا قويا، فعلينا ان نبدا من المكان الذي يتكون فيه الانسان قبل المدرسه، وقبل الجامعه، وقبل سوق العمل... من البيت. وربما يكون السؤال الاجمل الذي نضعه امام انفسنا اليوم: كيف نريد ان يكون الانسان الكويتي والخليجي بعد عشرين عاما؟ لان الاجابه عن هذا السؤال تبدا، في كثير من الاحيان، من قرار يبدو بسيطا اول الامر... ان نحسن اعداد الانسان قبل ان نطلب منه ان يبني اسره. وهنا لا يكون التاهيل قبل الزواج مجرد شرط لتوثيق عقد... بل استثمار في جيل كامل، وفي وطن كامل. ابارك للكويت هذه الخطوه، واتمني ان تكون بدايه حوار وطني وخليجي اوسع حول الاسره باعتبارها مشروع بناء وطن لا مجرد مؤسسه اجتماعيه. «ان الذي فرض عليك القران لرادك اليٰ معاد». د. امل فلاح العتيبي