كليه الشريعه من تراجع القبول.. الي سؤال المستقبل (1)

في نوفمبر 2025، كتبنا عن كليه الشريعه، ليس باعتبارها كليه جامعيه تؤدي وظيفه تعليميه فحسب، بل باعتبارها مؤسسه علميه يتصل دورها بهويه المجتمع وتكوينه الفكري والقيمي. واليوم، تعود القضيه الي الواجهه من باب اكثر الحاحا: ماذا يقول تراجع الاقبال علي الكليه عن صورتها في عيون الجيل الجديد؟ فبعد ان كان القبول في كليه الشريعه يدور في بعض السنوات حول 600 طالب وطالبه، هبط في عام 2026 الي اقل من 300 طالب وطالبه، بانخفاض يقترب من %50. وليس المقصود الوقوف عند الرقم لذاته، وانما التوقف عند ما قد يخفيه من دلالات؛ فالارقام الجامعيه لا تتحدث عن نفسها، وانما تحتاج الي قراءه ما وراءها. اولا: حين يصبح الرقم سؤالا؟! هل يعني انخفاض القبول ان ابناءنا ابتعدوا عن العلوم الشرعيه؟ ليس من الانصاف ان نستعجل هذه النتيجه. فالطالب حين يقف امام خياراته الجامعيه لا يختار تخصصا فحسب، وانما يختار سنوات من عمره، ويضع من خلالها جزءا من مستقبله. ولذلك يسال، وهذا حقه: ماذا ساعمل بعد التخرج؟ وما الابواب التي تفتحها امامي هذه الشهاده؟ وهل استطيع ان اتطور في هذا المجال؟ وهل تمنحني هذه الدراسه اكثر من طريق؟ هذه ليست اسئله ماديه تنتقص من قيمه العلم، بل هي اسئله المستقبل.. ومن هنا قد يكون السؤال الادق: لماذا لم يعد الطالب يري في دراسه الشريعه مستقبلا واضحا بالقدر الذي يراه في تخصصات اخري؟ ثانيا: الطالب لا يهرب من العلم.. بل يبحث عن الافق قد يكون الطالب محبا للعلوم الشرعيه، معتزا بها، راغبا في دراستها، لكنه حين يقارن بين تخصص واخر، لا ينظر الي قاعه المحاضره وحدها، بل ينظر الي ما بعدها. وهنا يدخل سوق العمل الي قرار الاختيار الجامعي من الباب الذي لا نراه. فالطالب ينظر الي الوظيفه، والمسار المهني، وفرص التطور، وطبيعه العمل، قبل ان يتخذ قراره، واذا وجد ان تخصصا يفتح امامه ابوابا متعدده، بينما يبدو له تخصص اخر اكثر محدوديه، فمن الطبيعي ان يعيد حساباته. ومن الخطا اذن ان نفسر انخفاض الاقبال علي كليه الشريعه بانه انخفاض في قيمه العلم الشرعي لدي الشباب.. ربما تكون المساله ابسط واعمق في ان واحد: قد لا يكون الطالب قد ابتعد عن الشريعه، بل ابتعد عن الصوره التي يري فيها مستقبل خريجي الشريعه. وهنا تبدا المشكله الحقيقيه. ثالثا: حين تضيق صوره التخصص فالعلوم الشرعيه اوسع بكثير من الصوره الوظيفيه الضيقه التي قد ترتبط بها في اذهان البعض. فهي تتقاطع مع القانون والقضاء، والاقتصاد والتمويل الاسلامي، والتربيه، والاسره والمجتمع، والاعلام، والبحث العلمي، والسياسات العامه، واخلاقيات المهن والتقنيه، وغيرها من المجالات التي تحتاج الي التاصيل الشرعي والوعي بالقيم. لكن اتساع المجال العلمي لا يكفي وحده. فالسؤال الذي ينبغي ان نطرحه بصراحه هو: هل يقابل هذا الاتساع العلمي اتساع مماثل في افاق الخريج؟ اذا كانت الاجابه غير واضحه للطالب، فينبغي الا نستغرب ان يبحث عن تخصص اخر اكثر وضوحا في نظره. وهنا لا تعود القضيه قضيه جاذبيه كليه فحسب، بل تصبح قضيه علاقه متكامله بين: التعليم.. والمهنه.. والمستقبل. رابعا: حين تتحدث الوظيفه باسم التخصص لا يمكن ان نفصل صوره التخصص عن المسارات المهنيه التي يراها الطالب امامه. فكلما اتسعت الابواب امام خريج تخصص ما، زادت جاذبيته. وكلما شعر الطالب ان ابوابا كانت مفتوحه امام خريجي تخصصه تضيق او تصبح اقل وضوحا، انعكس ذلك علي قراره. ولهذا فان اي نقاش حول مستقبل كليه الشريعه ينبغي الا يبدا من سؤال: كيف نزيد اعداد المقبولين؟ بل من سؤال اسبق: ما المستقبل الذي نقدمه للطالب اذا اختار الشريعه؟ فرفع اعداد القبول بقرار اداري لا يصنع اقبالا حقيقيا، كما ان انخفاض الاعداد ينبغي الا يقابل باللامبالاه. فالاقبال الحقيقي لا يصنع بزياده المقاعد، بل بزياده جاذبيه المستقبل الذي ينتظر الطالب بعد التخرج. خامسا: الرقم ليس المشكله.. لكنه انذار قد يقول قائل: اليست اعداد القبول شانا تخطيطيا؟ واليست الجامعه مطالبه بمواءمه اعداد الطلبه مع حاجات المجتمع وسوق العمل؟ الاجابه هي: بلي.. لكن علينا ان نفرق بين انخفاض مدروس نتيجه تخطيط اكاديمي واضح، وانخفاض يعكس تراجع جاذبيه التخصص في نظر الطلبه. الاول قرار تخطيطي، والاخر اشاره ينبغي قراءتها قبل ان تتحول الي اتجاه. فالمؤسسات العريقه لا تنتظر حتي تصبح المشكله واقعا دائما، بل تقرا المؤشرات وهي في بدايتها.. وكليه الشريعه ليست مجرد رقم في جداول القبول.. انها مؤسسه علميه لها تاريخها ودورها ورسالتها، ولذلك فان السؤال عن تراجع الاقبال هو في حقيقته سؤال عن قدرتها علي مواصله اداء هذا الدور في زمن تغيرت فيه احتياجات الطالب وسوق العمل معا. من يحمي المستقبل؟ لا نحتاج الي الدفاع عن الكليه لمجرد الدفاع عنها، كما لا نحتاج الي اصدار حكم متعجل عليها.. نحتاج الي شيء اكثر شجاعه: ان نسال الكليه، ونسال الجامعه، ونسال انفسنا: ماذا نريد لكليه الشريعه في السنوات المقبله؟ نريدها ان تحافظ علي اصاله علمها، دون ان تنعزل عن اسئله العصر. ونريد الطالب ان يدخلها لانه يجد فيها علما راسخا، وافاقا واسعه، ومستقبلا يستطيع ان يبني فيه نفسه ويخدم وطنه. فالحفاظ علي العلوم الشرعيه لا يكون بابعادها عن اسئله الحياه، وانما بجعلها اكثر قدره علي الاجابه عنها. ومن هنا، فان تراجع القبول ليس نهايه الحكايه، بل فرصه لفتح نقاش جاد حول مستقبل الكليه. لكن اذا كان الطالب قد بدا يعيد حساباته، فمن المسؤول عن البيئه التي جعلته يعيد التفكير في اختياره؟ هذا هو السؤال الذي سنحاول الاجابه عنه في المقال الثاني. الزبده 1. تراجع القبول في كليه الشريعه ليس رقما عابرا، بل مؤشرا يستحق ان نقرا دلالاته واسبابه قبل ان يتحول الي اتجاه دائم. 2. انخفاض الاقبال لا يعني بالضروره عزوف الشباب عن العلوم الشرعيه؛ فقد يكون الطالب محبا للتخصص، لكنه يبحث عن مستقبل مهني اكثر وضوحا. 3. الطالب لا يختار تخصصه بمعزل عن سوق العمل؛ فصوره الوظيفه ومسارات المستقبل اصبحت جزءا اساسيا من قرار الاختيار الجامعي. 4. العلوم الشرعيه اوسع من ان تختزل في مسار وظيفي واحد، والتحدي هو تحويل هذا الاتساع العلمي الي افاق اكاديميه ومهنيه واضحه. 5. السؤال الحقيقي ليس: كم طالبا ستقبل كليه الشريعه؟ بل: كيف نجعل الطالب يري فيها علما اصيلا ومستقبلا يستحق ان يختاره؟ د. عبدالحميد الشايجي