ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alqabasكتاب وآراء بقلم عبدالرحمن وليد بن سلامه

العولمه الحديثه

العولمه الحديثه

في احدي المحاضرات، صرح المحاضر بان فكره العولمه تعيش اليوم في ادني مستوياتها، مستدلا بتراجع الولايات المتحده عن الدفع بالنموذج الليبرالي وما يرتبط به من قضايا حقوق الانسان، وان هذه المسائل باتت تعامل بصوره اكبر باعتبارها قضايا ثقافيه وداخليه تخص كل دوله، دون السعي الي التدخل لفرضها عليها. والحقيقه انني لا اعلم كيف توصل الدكتور من ذلك الي القول بتراجع العولمه بهذا المعني الواسع؛ اذ ان ما نشهده، في تقديري، قد يكون تراجعا لصوره معينه من صور العولمه، لا للعولمه ذاتها. بل اري اننا نسير بسرعه، وربما في نفق مظلم، نحو عولمه جديده ترتدي لباسا مختلفا وتتخذ هيئه اخري. ولم يعد هدفها مجرد جعل العالم اشبه بقريه صغيره، بل قد ينتهي بها الامر الي جعل العالم يعيش داخل غرفه محكمه الاغلاق، تحدد له خياراته ومساحه حركته. خلال القرن الماضي، بلغت التجاره العالميه مستويات غير مسبوقه من التوسع والتشابك بين الدول، ثم جاءت بدايه القرن الحادي والعشرين وانتشار الانترنت لتحدث طفره هائله في قطاع الخدمات. ومع ظهور الهواتف الذكيه، دخلت العولمه مرحله اكثر عمقا؛ فلم تعد تقتصر علي انتقال السلع والخدمات بين الدول، بل اصبحت حاضره في حياه الانسان اليوميه، تربطه بشكل مستمر بالافراد والشركات والمنصات والخدمات حول العالم. واليوم نشهد طفره جديده تتمثل في الذكاء الاصطناعي، حيث تحاول الشركات من خلاله الا تكتفي بتقديم الخدمات والمنتجات، بل ان تدخل في مختلف جوانب حياه الانسان؛ الرياضيه والطبيه والعلميه والتعليميه وغيرها، بحيث تصبح قادره علي الاحاطه بحاجاته وتفاصيل حياته بصوره اوسع من اي وقت مضي. بل ان بعض التصورات المستقبليه للذكاء الاصطناعي تذهب الي ابعد من ذلك، فتتوقع ان تؤدي الروبوتات الي تقليص الحاجه الي العمل البشري بصوره كبيره. واذا وصلنا يوما الي عالم تقل فيه الحاجه الي العمل، فسيبرز سؤال جوهري: من سيمتلك وسائل الانتاج الجديده، ومن سيوفر الدخل للانسان؟ هل ستكون الدوله، ام الشركات التي تمتلك الذكاء الاصطناعي والروبوتات؟ وهنا يبرز سؤال اخر ربما يكون اكثر اهميه: ماذا لو اصبحت الشركه نفسها توفر للانسان ادوات العمل والدخل والصحه والتعليم والتواصل والترفيه؟ عندها لن تكون مجرد شركه نشتري منها منتجا او خدمه، بل ستتحول الي منظومه يعتمد عليها الفرد في معظم تفاصيل حياته. ومن هنا تبدا ملامح العولمه الحديثه في الظهور بصوره مختلفه؛ عولمه قد توفر للانسان معظم احتياجاته، ولكن ضمن الحدود والخيارات التي تضعها الشركات نفسها. وهنا تكمن الخطوره، اذ ان الاعتماد الكامل علي منظومه واحده او عدد محدود من المنظومات قد يجعل الوصول الي بعض الخدمات الاساسيه، وربما حتي الخدمات الصحيه او الماليه، مرتبطا بالالتزام بشروط واحكام تضعها تلك الجهات. وعند هذه المرحله قد لا تكون القضيه مجرد عولمه اقتصاديه او تقنيه، بل انتقالا تدريجيا نحو قدره الشركات الكبري علي التاثير في حركه الانسان وقراراته وتفاصيل حياته اليوميه. نحن لا نشهد انحسار العولمه، بل بدايات عصر جديد منها لا تزال صورته النهائيه غير واضحه: هل سيكون عالما تتنافس فيه شركات ومنظومات متعدده، بما يحفظ قدرا من الخيارات والاستقلاليه للافراد؟ ام سنصل الي درجه من التركز تجعل عددا محدودا من الشركات قادرا علي التاثير في فكر البشر وحركتهم واختياراتهم علي مستوي العالم؟ كنت اتمني من الدكتور المحاضر ان يكون اكثر دقه عند الحديث عن تراجع العولمه، وان يفرق بين تراجع بعض صور العولمه التقليديه وبين نشوء اشكال جديده منها اكثر تعقيدا وتاثيرا. عبدالرحمن بن سلامه

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓