ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alqabasكتاب وآراء بقلم د. حامد الحمود

هكذا هي الحياه ! (2-2)

هكذا هي الحياه ! (2-2)

يبدا زمن روايه الكاتب الصيني ماي جيا (Mai Jia) «هكذا الحياه»، في بدايه الستينيات من القرن الماضي عندما كان عمر الراوي عشر سنوات، لكن شخصيات الروايه الرئيسيه كانت قد بدات حياتها في العشرينيات من القرن العشرين. فالعقيد، الشخصيه الرئيسيه في الروايه، التحق بجيش جمهوريه الصين عام 1935، وكان ذلك قبل تاسيس جمهوريه الصين الشعبيه بـ21 سنه. يتاخر الراوي في التصريح باسم القريه، لكنه يصفها وصفا وفقا لوصف جده بانها تقع علي سفح سلسله جبال، يعتقد السكان ان اصلها تنين اسطوري، اما القمه التي تقع فوق القريه فيطلق عليه «مؤخره النمر». وعندما يصرح باسم القريه نعرف انها شوانغجيا «Shuangjia»، ويبلغ عدد سكانها حوالي 5000 شخص، يرجعون الي عائلتين، يرافقهم السكن بالقريه الاشباح. فالاشباح وان كانت غير موجوده باجسامها، انما هي دائما موجوده في عقول كثير من السكان خاصه كبار السن. ومعظم الشخصيات الرئيسيه في الروايه لا نعرفها من خلال اسمائها، انما من خلال صفاتها، او من خلال «علوقه» باللهجه الكويتيه. فاصدقاء الراوي هم: النمر القزم والاعمي الصغير، واللقيط، والزرافه. اما جده فهو العراف العجوز وصديقه الشرطي العجوز. اغلب شخصيات الروايه تعيش في فتره الستينيات؛ وهي الفتره التي عاني فيها الصينيون من الثوره الثقافيه التي اطلقها القائد ماو لازاله «الشوائب» من الفكر الشيوعي الذي وصل الي حكم الصين عام 1949. واكثر من عاني من ظلم هذه الثوره الثقافيه كان هم المثقفين. واذكر انه عندما سافرت ضمن الوفد في اغسطس 1988، اني تمكنت من العثور علي قصه بالانكليزيه لكاتب صيني شهير، واذكر اني قرات القصه في رحلتنا بالقطار من العاصمه بكين الي منغوليا الداخليه. ولم اتمكن من ايجاد هذه القصه في مكتبتي بعد هذا الزمن، لكني اعتقد انها للروائي مو يان المولود عام 1955، ويوصف «بانه واحد من اشهر ادباء الصين، وان اعماله من اكثر الاعمال التي لا تفضل السلطات الصينيه نشرها». وما زلت اذكر غلاف القصه، وانها كانت ناقده للثوره الثقافيه. روايه «هكذا الحياه» تتكون من حوالي 470 صفحه، وقراتها في سته ايام مع اني اقرا ببطء. ولا بد ان ترجمه الدكتور يحيي مختار ساهمت في انسيابيه الكلمات والانغماس بتلقائيه في الروايه، التي اضافه لكونها عملا ادبيا رائعا، فهي تعطي القارئ مختصرا لتاريخ الصين منذ بدايه القرن العشرين حتي عام 2014. فالعقيد، الشخصيه الرئيسيه في الروايه، يقع في اسر اليابانيين عام 1943، عندما كان ضابطا في جيش جمهوريه الصين، الذي دخل في حرب مع القوات الشيوعيه بقياده ماو تسي تونغ بعد الحرب العالميه الثانيه. ومن الشخصيات التي لا بد ان تجذب القارئ في الروايه هي شخصيه جد الراوي. فاضافه الي خوفه من الاشباح الشريره، والذي يتجنبها بالتردد علي المعبد وزياره المقابر، يصرح باراء لها معان عميقه؛ فيصف بعض الناس بانهم كلحاء الشجر، «لحاء الشجره العتيقه سميك للغايه لكن جلد الشخص عديم الحياء هو الاكثر سمكا في العالم». ويصف الراوي بعض التجارب التي مر بها بانها تشبه الندوب التي خلفتها مكواه نار احترق منها لحمي، ولا يفارقني المها. واعجبني وصف الكاتب للعمال الذين يعملون علي خط الانتاج، ولا يتقنون سوي مهاره واحده بانهم غير مؤهلين للمبادره بتاسيس عمل خاص بهم. ولا بد من التذكير ان حاله العمال النفسيه والاقتصاديه علي خطوط الانتاج من الامور التي اثيرت في النصف الثاني من القرن العشرين. فقد نشرت ابحاث عديده حول هذا الموضوع من اقسام علم الاجتماع والنفس والفلسفه في جامعات كثيره. وعلاقه العقيد بزوجته لين من اكثر ما يشد القارئ بالتمعن بهاتين الشخصيتين. واستغرب الراوي كيف ان الزوجه لين اختارت ان تاتي الي القريه لتاخذ العقيد الذي كان انذاك قد فقد عقله، لتصحبه معها الي شنغهاي. لكن سبب هذا الولاء ينكشف للقارئ في اخر الروايه. وفي اخر لقاء له مع لين الزوجه قبل موتها تحثه ان يقبل علي الحياه. فقد خاطبته قبل ان تنفذ اخر انفاسها: «تذكر، الحياه كالبحر المتقلب، والجراه علي الموت ليست شجاعه، بل الحياه هي التي تتطلب الشجاعه. هل تتذكر ما قلته في بدايه تعارفنا؟ لا يوجد سوي فعل بطولي واحد فقط في هذا العالم، الا وهو ان يظل المرء مقبلا علي الحياه رقم ادراكه حقيقتها». ولم تنس ان تخبره انها تعلمت هذا من قراءتها لكتاب لرومان رولان. اضطر الراوي، وبترتيب من والده، ان يترك القريه في عمر السادسه عشره، بعد ان المت فضيحه بالقريه كان وراءها جد الراوي. فياخذه والده الي اقرب ميناء واضعا اياه علي ظهر باخره ليجد نفسه بعد اسابيع في ميناء برشلونه، لينزل منها ويعمل عند صانع احذيه لسنوات عده دون ان يتمكن من تحسين اوضاعه الماديه. وتضطره الظروف الي ان يترك العمل ليقتات علي بقايا الاكل في حاويات القمامه. يتعرف تدريجيا علي حاويات القمامه في الاحياء الغنيه، ويبدا ببيع بعض محتوياتها للاحياء الفقيره. وتدريجيا يدخل في تجاره فرز القمامه، مصدرا بعضها في حاويات الي الصين، فتزدهر تجارته ويفتح مكتبا في الصين، ويتردد علي قريته متمكنا من اكمال احداث الروايه. وربما علي ان اتوقف عن سرد تفاصيل اخري لكي يتحمس القارئ لقراءتها بنفسه. ولا بد ان اضيف اني زرت الصين مرتين بعد زيارتي الاولي لها في اغسطس 1988، وكم وجدت ان الصين قد تغيرت 180 درجه؛ ففي بعض المجالات اصبحت اكثر حداثه من اوروبا والولايات المتحده. لكن اعز ما بقي في ذاكرتي عن هذا البلد العظيم كان من زيارتي الاولي. فما زلت اذكر الرجل الصيني الذي تسلقت معه الجبل في مدينه جنان، والذي اخبرني ان ماو تسي تونغ كان سياسيا اكثر من كونه مثقفا. وما زلت اذكر الرجال والمراه الوحيده الذين كانت برفقتنا في زيارتنا لاكثر من قريه ومدينه في باص صغير. واذكر انه لمقاومه الضجر اخذت علي عاتقي تعليمهم الاعداد باللغه العربيه. فقد اخذت موقعا في مقدمه الباص وكنت اردد عليهم: «واحد، اثنان، ثلاثه» ثم هم يرددون بعدي.. واذكر ضحكات المرحوم د عبدالرحمن سلمان «ابوفواز» الذي اعجب بالطريقه التي كنت اقاوم الضجر بها وذلك بتعليم الصينيين اللغه العربيه. د. حامد الحمود

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓