ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alqabasكتاب وآراء بقلم عدنان عبدالله العثمان

اليوغا

اليوغا

لفت نظري قرار وزاره الصحه بحظر وتقنين عدد من الممارسات التي تقدم تحت مسميات مختلفه، منها العلاج بالطاقه والاحجار والالوان والذبذبات الصوتيه والارشاد الذهني غير المستند الي دليل، وكذلك ما اطلق عليه «اليوغا النفسيه». والقرار في رايي مهم، لكن الاهم ان نفهم ماذا نحظر ولماذا، حتي لا نخلط بين الرياضه والاسترخاء من جهه، والخرافه التي ترتدي ثوب العلاج من جهه اخري. وكنت اسولف مع احد الاصدقاء عن الموضوع، فوجدته، مثل كثيرين، يخلط بين اليوغا كرياضه وبين ما ارتبط ببعض مدارسها من معتقدات وطقوس روحيه. قلت له: شنو الفرق بين البيره التي تحتوي علي الكحول والبيره الخاليه من الكحول؟ قال: هذه حرام وهذه حلال. قلت له: عدل، وصلت! المشكله ليست في العلبه ولا في الاسم، وانما فيما وضع داخلها. وكذلك اليوغا؛ تمارين استطاله ومرونه وتوازن وتنفس واسترخاء شيء، وادخال «طاقه الكون» والمعتقدات الهندوسيه وادعاءات العلاج الروحي عليها شيء اخر تماما. وقلت له انا شخصيا امارس اليوغا الرياضيه منذ سنوات، وان حبيت ومن باب الفكاهه خلنا نسميها «يوغا بلا كحول»، والصراحه اجدها مفيده، خصوصا مع تقدم العمر، فهي تجمع بين المرونه والتوازن والتنفس. وهناك ابحاث علميه تشير الي ان بعض برامجها قد تساعد في تخفيف الام اسفل الظهر وتحسين الحركه لدي بعض الاشخاص. والفرق واضح بين ان تقول لي: هذه التمارين قد تحسن مرونتك وتوازنك، وقد تخفف بعض الام ظهرك، فهذا كلام نستطيع اخضاعه للدراسه والقياس، وبين ان تقول لي: ان الالم سببه خلل في طاقتي، وانك تستطيع اعاده توازنها بيديك او بحجر او ذبذبه، فانت الان تقدم ادعاء مختلفا لا يستند الي دليل. وننتقل الي موضوع الاحجار والكريستالات: حجر للحب، واخر للراحه، وثالث لطرد الطاقه السلبيه، واخر لجذب الرزق!.. والحجر في النهايه حجر، قد يكون جميلا ونادرا وثمينا، ونضعه في خاتم او علي مكتب ونستمتع بجماله، لكن المشكله تبدا عندما يتحول الحجر الي عباده ومعتقد. ولو كان هناك حجر مضمون لجذب المال، فنصيحتي لصاحبه الا يبيعه للناس؛ يحتفظ به لنفسه ويصبح اغني رجل في العالم! ومن الخزعبلات المنتشره ايضا ما يسمي «قانون الجذب»، ولا اقصد هنا التفكير الايجابي. فالانسان المتفائل الذي يحدد اهدافه ويسعي اليها قد تكون فرصته في النجاح افضل من انسان استسلم منذ البدايه، وهذا منطقي. لكن تحويل الفكره الي ان مجرد التفكير في المال يجذب المال شيء اخر. ولو كان التفكير وحده يكفي، لاغلقنا الجامعات والبنوك والمستشفيات، وجلس كل واحد منا في البيت «يجذب» الدكتوراه والمليون والصحه! وقد يقول احدهم: لكنني جربت جلسه طاقه وشعرت بعدها براحه حقيقيه. ممكن، وانا لا اشكك في شعوره. فالطب يعرف ما يسمي بتاثير الدواء الوهمي او (Placebo)، اذ يمكن لتوقع الانسان ان العلاج سيفيده ان يؤثر في شعوره بالالم والتوتر. كما ان الجلوس في مكان هادئ، والتنفس ببطء، ووجود شخص يهتم بك ويستمع اليك، كلها امور قد تمنحك راحه، لكنها لا تثبت ان طاقه سلبيه خرجت من جسمك، او ان حجرا امتصها. وهنا تكمن اهميه قرار وزاره الصحه، فهو يسعي الي وضع خط واضح بين النشاط الرياضي والممارسات الصحيه من جهه، والخزعبلات التي تقدم نفسها باعتبارها علاجا من جهه اخري. فالعلاج يجب ان يخضع للدليل والترخيص والرقابه. والخطر الحقيقي ليس في ثمن الجلسه او الحجر، وانما ان يقتنع مريض يحتاج الي طبيب او اختصاصي نفسي بانه يتلقي علاجا حقيقيا، فيؤخر العلاج الصحيح او يتركه. وللاسف، اضحي السوق مشبعا بتلك الخزعبلات والافكار والممارسات غير المنضبطه. وبالمناسبه، نصيحتي لكل من قارب الاربعين: لا تنتظر حتي يطالبك جسدك بالحركه. ضع في جدول حياتك من الان اليوغا او تمارين القوه او السباحه او المشي، او اي رياضه تستطيع الاستمرار عليها. ففي هذه المرحله من العمر تحدث مفارقه غريبه؛ يكون الانسان في قمه عطائه، وعقله ما زال يدفعه الي المزيد من العمل والطموح والحركه، بينما يبدا الجسد، ان اهملته، بالسير في الاتجاه المعاكس، وكانه يقول لك: علي مهلك يا صاحبي.. انا الذي ساحمل كل هذه الطموحات! فنحن لا نتمرن لنفوز بمسابقه، بل لنستطيع في السبعين ان نصعد الدرج، وننحني لنربط حذاءنا، ونحمل حاجاتنا، ونقوم من الارض من غير ان نطلب لجنه انقاذ! فالعضلات والقوه والتوازن والمرونه اشياء ان حافظت عليها خدمتك، وان اهملتها ارسلت لك الفاتوره لاحقا. وفي الحياه امور تصيب الانسان لا يد له فيها، وهي قضاء وقدر، ولكن هناك امورا كثيره نملك ان ناخذ باسبابها. والعمر لا نستطيع ايقافه، اما كيف نستقبله ففيه مساحه كبيره بايدينا. وتسلمون. عدنان عبدالله العثمان

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓