ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alqabasكتاب وآراء بقلم د. ضاري عادل الحويل

جيل امن

جيل امن

في خضم تصاعد الاتجاه العالمي نحو حظر وصول القاصرين الي وسائل التواصل الاجتماعي، وبينما نتصفح الانترنت، طالعنا منشور لاحدي الزميلات من المختصات بالشان القانوني، لفتت فيه الي قرار مهم اصدره المجلس الدستوري الفرنسي الاسبوع المنصرم، حيث قضي بعدم دستوريه «الحظر العام المفروض علي من تقل اعمارهم عن خمس عشره سنه للوصول الي شبكات التواصل الاجتماعي»، لكونه يمثل مساسا غير متناسب بحريه التعبير والتواصل، في ظل عدم كفايه الضمانات القانونيه المتعلقه بالتحقق من العمر وحمايه الخصوصيه. والجدير بالذكر ان هذا القرار جاء استجابه لطعن تقدم به عدد من النواب ضد قانون سبق ان اقره البرلمان لكنه لم يبدا تطبيقه الفعلي. باجتهادنا، قمنا بترجمه القرار، وهنا لا بد من التنويه بعدم خبرتنا باللغه الفرنسيه، ناهيك عن الصياغه القانونيه المتخصصه التي ورد بها. علي كل حال، كان اللافت في القرار ان المجلس لم يرفض الهدف من المشروع، بل اقر مشروعيته، والمتمثله في حمايه الاطفال من الادمان والعزله والتنمر والاستدراج والمحتوي غير اللائق عبر شبكات التواصل الاجتماعي. ببساطه، رفض القرار الوسيله لا الغايه، حيث جاء القانون المطعون فيه بحظر عام شامل لا يميز بين خدمه واخري، ولا يراعي سن الطفل ولا نضجه ولا طبيعه المنصه، ويلزم الجميع، البالغين والقاصرين علي حد سواء، باثبات اعمارهم دون ضمانات تصون خصوصيتهم. وعليه، وما استقر عليه راي جمهور من المختصين، فان هذا التقييد والمساس بالحريه لا يتصف بالملاءمه والضروره والتناسب مع الهدف المنشود. الاعتماد علي وسيله المنع لم يعد خيارا كافيا ولا عادلا، او حتي فاعلا، ولنا في تجارب كثيره خير دليل. الحمايه الحقيقيه لا تبني علي جدار واحد، بل علي منظومه متكامله تتقاسم فيها المسؤوليه اطراف عده يكمل بعضها بعضا. فمن جهه، ينبغي ان تتحمل الشركات والمنصات نصيبها بان تكون السلامه جزءا من تصميم المنتج نفسه وفق مبدا «الامان بالتصميم»، لا خيارا ثانويا معقدا يترك لمبادره الاسره ومعرفتها التقنيه. ومن جهه اخري، لا يستقيم اي اطار يحرم ولي الامر من حقه في تقدير مصلحه طفله، وهو ما اخذه المجلس الفرنسي علي القانون حين لم يترك للوالدين وسيله لرفع الحظر او تكييفه بحسب حال الطفل. الاسره شريك اصيل لا يصح اقصاؤه، ولا يجوز في الوقت ذاته ان تحمل وحدها كامل المسؤوليه. اما الركيزه الاهم فتبقي الوعي، الذي هو اقوي سلاح نملكه، اذ ان الفجوه الحقيقيه ليست في التمكين التقني، فشبابنا يجيدون استخدام الادوات الرقميه الحديثه، ولا شك انهم سيبدعون في ايجاد الطرق والاساليب للوصول لها، الفجوه في الوعي السلوكي والقيمي، ومن هنا يبرز الدور المحوري للاسره والمدرسه في غرس المواطنه الرقميه وبرامج التوعيه الموجهه للاسر والاطفال. الدرس المستفاد من باريس واضح: الحظر الجارف قد يسقط امام القضاء الدستوري، بينما يصمد النموذج المتدرج القائم علي مسؤوليه التصميم وتمكين الاسره والتوعيه. وهذا ما ينبغي ان تتبناه الدول، عبر اطار وطني متدرج وفق العمر والمخاطر، يحمل المنصات واجباتها، ويصون دور ولي الامر، ويجعل التوعيه ركيزته الاولي. لن تحمي الاسوار العاليه اطفالنا وشبابنا بقدر ما يحميهم وعي راسخ، وتصميم مسؤول، واسره حاضره، ومجتمع متكاتف. تلك هي الحمايه لبناء جيل امن. د. ضاري عادل الحويل

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓