من لا يقرا التاريخ محكوم عليه بالفناء

لم تعرف البشريه يوما امبراطوريه الا وكانت لها نهايه، والغريب ان بدايه اغلبيتها، وتربعها علي القمه، ثم انهيارها، تتطابق في كل الاحوال، وهذا ما انتبه اليه عالم الاجتماع ابن خلدون، حيث اختصر الصعود والسقوط في 4 مراحل: النشوء، قيام جماعه بسيطه المنشا، وفقيره، لكن متماسكه، بغزو جماعه اكثر تحضرا منها، وتستولي علي الحكم وتبني دوله، وتزدهر الحضاره والعمران وتزداد الثروه، ثم ياتي الترف ومعه تضعف العصبيه، يتنافس الابناء والاحفاد علي الحكم، وينتشر الفساد والبطاله والتكاسل، فتاتي المرحله الرابعه، وهي الانهيار، بعد ان تصبح الدوله عاجزه عن الدفاع عن نفسها، فتاتي جماعه جديده بعصبيه اقوي وتسقطها، وتبدا الدوره من جديد. جاء اخرون، بعد ابن خلدون، واضافوا مرحله خامسه. لكن ماذا كان مصير مختلف الامبراطوريات علي مدي الفي سنه مضت؟ بلغت الامبراطوريه الرومانيه ذروه اتساعها الجغرافي في عهد الامبراطور تراجان «Trajan»، وتحديدا عام 117 ميلاديه، وهو العام الذي توفي فيه، وكانت الكبري التي عرفها العالم، لكن بدا مقتلها عندما قررت حمايه كل ما غزته من اراض دفعه واحده بجنودها، وكانت تلك نهايتها، بسبب توسعها المفرط. ثم اتت تاليا الامبراطوريه العثمانيه، وتمتعت بـ600 عام من الهيمنه علي دول كثيره، ودخلت في النفق نفسه، حيث جاء وقت كانت جيوشها تقاتل علي 3 جبهات في وقت واحد، فادي ذلك لافلاسها. بعدها جاءت الامبراطوريه البريطانيه، وفي اوج قوتها سيطرت علي 24% من اليابسه، وامتلكت اقوي اسطول، وكان الاسترليني عمله الاحتياطي العالمي، وكانت لندن مركز التجاره والمال والقانون، لكن توسعها استنزف قواها واموالها، فكانت النهايه. ثم جاء الاتحاد السوفيتي، وكان عام 1985، قد تجاوز المرحله الرابعه، حيث كان الجيش السوفيتي منتشرا بشكل مفرط، في مختلف الدول، وبدلا من التوقف والانكفاء، وتقليص تمويل الجيوش والمشاركه في سباق التسلح، قام بغزو افغانستان، وكانت التكلفه كارثيه، وبدايه نهايه الامبراطوريه. والان، وقد اتضحت معالم الخطوات الاربع، نري ان امريكا، براي الكثير من المحللين، قد انهكتها حروبها، خلال السنوات العشرين الماضيه، بتكلفه تريليونيه غير مسبوقه، لكن ماذا عن المرحله الخامسه؟ كل مؤرخ درس انهيار الامبراطوريات متفق علي ماهيه الخامسه، فهي ليست معركه، ولا غزوا، ولا حدثا يمكن التنبؤ الدقيق به، فهي اكثر هدوءا من ذلك، انها صباح ذلك اليوم، الذي تستيقظ فيه قياده تلك الامبراطوريه، لتجد ان اموالها قد تبخرت، وذخيرتها قد نفدت، وديونها قد تصاعدت. فروما لم تسقط في يوم واحد، ولم ينهر العثمانيون في معركه واحده، ولم تخسر بريطانيا امبراطوريتها في حرب واحده، ولم ينته الاتحاد السوفيتي بهزيمه واحده، لكن وصلوا جميعا الي المرحله الخامسه بالطريقه نفسها، تدريجيا، وفجاه، وقع الانهيار، والسبب «التوسع الاستعماري المفرط»، وهذه المرحله تسمي «التوسع الامبراطوري المفرط». وقد وصف هذه المرحله مؤرخ «جامعه ييل» البروفيسور بول كنيدي، في كتابه «صعود وسقوط القوي العظمي»، الصادر عام 1987، والذي كتبه كتحذير خاص بامريكا، بان المرحله الخامسه لم تفشل قط، ولا مره واحده، في الفي عام من التاريخ. وربما كان الانسحاب الامريكي الصامت، من بعض قواعده في منطقه الخليج العربي، نوعا من تاخير او تجنب الانهيار، الذي يتوقع الكثيرون وقوعه. احمد الصراف