سقط الحياء

في يوم ليس بعيدا، كان الشاب يفتح دفتر مذكراته السريه ليكتب بخط مرتجف: «اليوم، رايت وجهها»، جمله واحده، لا يمل من الرجوع اليها. اما اليوم، فيفتح الهاتف ليجد كل التفاصيل، التي كان الحب يتوق اليها معروضه امام الجميع، بلا سر، وبلا انتظار، وبلا حياء، هي مسافه قطعتها البشريه في عقود قليله. ففي كل المجتمعات، تبني الاعراف المقبوله عبر التراكم لا عبر القرار، حين يقدم شخص ما علي سلوك غريب، يقف المجتمع امامه مستهجنا في البدايه، لكن مع تكراره، ومرور الوقت، يفقد ذلك السلوك غرابته شيئا فشيئا، ليتسلل الي النسيج الاجتماعي، ويصبح جزءا منه. لكل مجتمع عاداته وتقاليده الراسخه، يقدسها ولا يتسامح مع من يتجاوزها، وحين تفد عاده جديده، يقف الناس امامها مترددين، لفتره تطول او تقصر، الي ان تكتسب شرعيتها الزمنيه وتصبح مقبوله، لكن هذه الاسوار التي حمت المجتمعات طويلا، اسوار العاده والتقليد، تهاوت كليا امام صعود الانترنت ومنصات التواصل الاجتماعي. فعبر التاريخ الانساني، كانت عجله العادات تدور ببطء وهدوء. اما اليوم، فقد دخلت البشريه عهدا مختلفا تماما، حين اصبحت شبكات التواصل الاجتماعي جزءا جوهريا من سلوك الناس، وفي مقدمتهم الاطفال والمراهقون. كان الطفل، في الماضي غير البعيد، يتشكل عبر دوائر متتاليه: الاسره اولا، ثم الحي والجيران، ثم المدرسه. اما اليوم، فقد تزلزلت هذه الدوائر امام الشاشه الصغيره، التي يحملها في جيبه. الطفل والمراهق لم يعودا ينتميان الي مجتمعهما المحلي بقدر انتمائهما الي «مجتمع العالم»، الي قناعاته، واذواقه، وسلوكياته اليوميه. نشا ما يمكن يسمي بـ«السلوك الكوني»، وهو يشمل الملبس والماكل بقدر ما يشمل القناعات والعلاقات الانسانيه الحميمه. لناخذ مثالا بسيطا: علاقه شاب بفتاه، في اي مجتمع، كانت تبني تاريخيا علي ارث اجتماعي خاص، وتتسع او تضيق بحسب المساحه الاخلاقيه التي تمنحها الاسره. اما اليوم، فهذه العلاقه، وان ظلت متاثره بمرجعيه الاسره، اصبحت اكثر ارتباطا برسائل وصور الهاتف الذكي، وما تمليه شبكات التواصل من نماذج جاهزه للحب والعلاقه والجسد. اذا كان شاب قبل عقود قليله يحلم برؤيه وجه حبيبته، ويسجل في دفتره تاريخ تلك اللحظه النادره، فان هذا المسلك بات اليوم غريبا تماما في زمن تعرض فيه صور البشر في كل لحظه من لحظات حياتهم، بل وصل الامر ببعضهم الي نشر ادق تفاصيل حياتهم اليوميه علي الملا، حتي تلك اللحظات، التي تعد من اكثر لحظات الانسان حميميه وخصوصيه. شيئا فشيئا، اصبح هذا السلوك مقبولا في كثير من المجتمعات، المنفتحه منها والمحافظه علي حد سواء، وكان اعراف منصات التواصل الاجتماعي هي التي باتت تملي ايقاع الحياه العصريه وشكلها. افهم تماما ان تنشر فتاه صور تخرجها من المدرسه او الجامعه، واتفهم ان يشارك شاب صوره في رحله صيد بحري، فهذه لحظات فخر واحتفاء تستحق ان تري، لكن ان تنشر فتاه صور خلوتها الشخصيه، في اوضاع يخجل منها الذوق الانساني السليم، وان يصور شاب نفسه في مواقف تهين كرامته، فهذا مشهد انساني يستحق ان نتوقف عنده طويلا، وان نرفضه بوضوح لا لبس فيه. جوهر السلوك الانساني يقوم علي الحريه، لكن الحريه الحقيقيه، في جوهرها العميق، هي احترام للسلوك الانساني السوي، لا التحرر منه، فحين تفقد الحريه هذا الاحترام، يفقد الانسان حياءه، ويقف عاريا امام العالم، لا من ثيابه، بل من شيء رقيق كان يحميه، ويحمي الاخرين منه، ويحمي انسانيته من الابتذال. حين يسقط الحياء، لا يسقط وحده، بل يسقط معه شيء من معني ان نكون بشرا. طالب الرفاعي