الدراسه والتياسه والسياسه

لم اكن يوما، من المرحله الابتدائيه، التي اتذكر الكثير من ايامها وسنواتها، في مدرسه الصباح، وحتي الجامعه، مرورا بالثانويه التجاريه (3 سنوات)، والثانويه العامه (4 سنوات)، والجامعه (4 سنوات)، طالبا مميزا في اي ماده، بخلاف بعض الابداع في التعبير اللغوي. وكنت اعتمد في الامتحانات علي شرح المدرس، وانجح دائما، لكن «علي الحفه»، اي بالحصول علي درجات النجاح الدنيا. بشكل عام، اعتمدت الدراسه لدينا، ولا تزال، علي الحفظ او علي حل المسائل، وكنت سيئا في الاثنين، وربما كنت جيدا في الملاحظه والنقد، وهذا ما لم يكن مسموحا به، لا بالامس ولا اليوم، فتدريس التفكير النقدي، وفتح المجال امام الطالب للسؤال والانتقاد لم يكن مسموحا به. وعندما حاولت كسر تلك القاعده في ثانويه كيفان المسائيه، اضطرت اداره المدرسه للاستعانه بالمباحث لوقف سيل اسئلتي المشككه. لا شك ان الحصول علي اعلي الدرجات في المدرسه، والجامعه، امر مهم، لكنه لم يكن يعني الكثير بعد التخرج، والسبب كان يعود، غالبا، لعدم علاقه مواد الدراسه بالواقع المعاش، وتركيز المقرر علي الحفظ، وليس الفهم والسؤال والشك، والنقد، بل القبول، والحفظ والتزام الصمت، بخلاف هزاله المواد الدراسيه. * * * تقع علي اكتاف المهندسين مهمه بناء مرافق الدوله، التي يمكن معرفه درجه تقدمها من خلال عدد نوعيه مهندسيها. وكنت اعتقد ان دراسه الهندسه الكهربائيه هي الاكثر صعوبه، كما الحال مع اكثر المواد العلميه، لكن تبين عدم صحه ذلك بالمطلق، فهذه المواد تعتمد، في الغالب، علي فهم المعادلات، ومتي ما فهمت زال الابهام عنها، بخلاف المواد الادبيه التي تحتاج للابداع، مثل كتابه الروايه والشعر وغير ذلك. وبالتالي ليس من السهل اختيار ماده ووصفها بالاصعب، فالامر يعتمد، غالبا، علي نقاط قوه او ضعف الانسان. لكن يمكن من خلال مؤشرات محدده الحكم علي صعوبه ماده مقارنه بغيرها، من خلال ملاحظه معدلات التسرب، وعبء الدراسه، التي نري انها مثلا تتزايد بين دارسي الفيزياء، خاصه ميكانيكا الكم والكهرومغناطيسيه، وذلك لاعتمادها علي رياضيات متقدمه ومفاهيم مجرده يصعب تصورها، وحاجتها الي حساب التفاضل والتكامل، والمعادلات التفاضليه، والتفكير رباعي الابعاد، التي لم افقه ولن افقه منها شيئا يوما. كما هناك الكيمياء العضويه، التي لا تكفي معرفتها من خلال حفظ التفاعلات الكيميائيه، بل يتطلب الامر تفكيرا مكانيا ثلاثي الابعاد، وفهما للاليات، وادراكا للانماط، ودراستها اداه اساسيه لاستبعاد الطلاب غير المؤهلين لدراسه الطب. وثالثا تاتي الرياضيات المتقدمه، التي تعتمد علي التحليل الحقيقي، والجبر المجرد، والمعادلات التفاضليه، وخلالها يتم الانتقال من «احسب هذا» الي «اثبت هذا من المبادئ الاساسيه». وتاتي رابعا ماده «اساسيات الهندسه»، والديناميكا الحراريه، وميكانيكا الموائع، والدوائر الكهربائيه، التي تحتوي علي كم هائل من المسائل، وضروره المشاركه في المختبرات، والمشاريع الجماعيه. واخيرا، وليس اخرا، تاتي علوم الكمبيوتر التي تعتمد علي الخوارزميات وهياكل البيانات، وانظمه التشغيل، والتي تحتاج الي المنطق الرياضي وبناء مشاريع ضخمه تستغرق 10 ساعات في تصحيح الاخطاء، ومن يعرفون البرمجه فقط، دون التفكير الحسابي، غالبا ما يعجزون عن الاستمرار في دراستهم. تكمن المفارقه في ان من يسيرون امور العالم ويتحكمون فيها، من سياسيين، ومشرعين، وكبار رجال الاعمال، لا علاقه لهم، جميعا تقريبا، باي من المواد اعلاه. احمد الصراف