ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
alqabasكتاب وآراء

الثاني من اغسطس… من الابتلاء الي البقاء (1-2)

الثاني من اغسطس… من الابتلاء الي البقاء (1-2)

قراءه في سنن قيام الدول وفقه بقائها ليست كل الايام سواء؛ فبعض الايام تنتهي بانتهاء ساعاتها، وبعضها يبقي حيا في ذاكره الامم؛ لانه لا يحمل حدثا عابرا، بل يكشف حقائق كبري، ويظهر معادن الشعوب، ويعيد تشكيل الوعي، ويمنح الاجيال دروسا تتجاوز حدود الزمن. وياتي الثاني من اغسطس في تاريخ الكويت من هذا النوع من الايام؛ فلم يكن مجرد تاريخ لعدوان واحتلال، بل كان يوما تجلت فيه سنن الله في الامم، وانكشفت فيه حقيقه الدوله حين تبتلي، وحقيقه المجتمع حين يمتحن، وحقيقه القياده حين تواجه اصعب الظروف. لقد كان يوما مؤلما في ذاكره الوطن، لكنه كان كذلك مدرسه في الصمود والبقاء؛ اذ اثبت ان المحن لا تقاس فقط بما تتركه من جراح، وانما بما تكشفه من قيم، وما تصنعه من وعي، وما تستخرجه من طاقات كامنه في الشعوب. قال الله تعالي : ﴿وتلك الايام نداولها بين الناس﴾. فهذه سنه من سنن الله في التاريخ؛ فالايام تتداول بين الامم، والدول تمر بمراحل القوه والضعف، والابتلاء والتمكين. وليس الفارق بين الامم في وقوع المحن، فالمحن سنه ماضيه، وانما الفارق في طريقه التعامل معها، وفي القدره علي تحويل الالم الي خبره، والابتلاء الي بدايه جديده. فان الثاني من اغسطس لا ينبغي ان يقرا بوصفه حادثه تاريخيه فقط، بل بوصفه درسا في سنن قيام الدول وبقائها؛ فالدول لا تقوم بالجغرافيا وحدها، ولا تحفظها الثروات وحدها، وانما تقوم علي منظومه متكامله من الشرعيه الراسخه، والمؤسسات الفاعله، والهويه الجامعه، والقياده الحكيمه، والمجتمع الواعي. وكما ان للدول سننا في النشاه والقيام، فان لها سننا في الضعف والسقوط؛ ومن فقه التاريخ ان تعرف الامم اسباب بقائها قبل ان تختبرها الازمات، وان تبني مقومات منعتها قبل وقوع الخطر. ومن هنا ياتي مفهوم فقه البقاء؛ وهو فقه حفظ الدوله والامه، وفهم الاسباب التي تحفظ وجودها، والاخذ بالسنن التي جعلها الله طريقا للتمكين. قال تعالي : ﴿واعدوا لهم ما استطعتم من قوه﴾ . و فقه القوه في التصور الاسلامي ليست جانبا واحدا، بل منظومه شامله؛ فهي قوه الايمان والقيم، وقوه العلم والمعرفه، وقوه الاقتصاد، وقوه الامن الغذائي والمائي، وقوه التقنيه، وقوه الدفاع، وقوه الوعي والاعلام، وقبل ذلك كله قوه الوحده الوطنيه؛ اذ ان تماسك المجتمع هو خط الدفاع الاول عن الوطن. و ليس فقه البقاء ان تنتظر الدوله الخطر ثم تبحث عن وسائل مواجهته، وانما ان تجعل الاستعداد منهجا دائما، وان يتحول الامن والاستقرار الي ثقافه وطنيه راسخه. وهنا ياتي مفهوم السياسه الشرعيه بوصفه احد اعمده بقاء الدول؛ فهي ليست مجرد اداره للسلطه، وانما هي فقه تحقيق المصالح، ودفع المفاسد، وحفظ الضروريات التي تقوم عليها حياه الناس والدول. فالسياسه الشرعيه الرشيده تجمع بين قوه الدوله وعداله القرار، وبين حمايه السياده ورعايه الانسان، وبين المحافظه علي الهويه والانفتاح علي اسباب التقدم. وبها تتحول السلطه من مجرد ممارسه للحكم الي مسؤوليه وامانه. ومن هنا يظهر فقه المالات؛ فالدوله الحكيمه لا تنتظر الازمات حتي تتحرك، وانما تقرا المستقبل، وتقدر العواقب، وتبني سياساتها علي الاستباق والاستعداد؛ لان من عرف السنن احسن الاخذ بالاسباب، ومن احسن الاخذ بالاسباب امتلك مقومات البقاء. ان المحن الكبري لا تكشف فقط حجم الخطر، بل تكشف حقيقه الدول؛ فهناك تظهر قيمه الشرعيه، واهميه المؤسسات، وعمق الانتماء، وقوه الرابط بين الوطن ومواطنيه. الزبده : 1- الثاني من اغسطس ليس مجرد ذكري تاريخيه، بل درس في سنن قيام الدول وبقائها؛ فالامم تعرف بطريقه مواجهتها للمحن. 2- الدوله لا يحفظها الموقع والثروه وحدهما، وانما يحفظها اجتماع الشرعيه، والمؤسسات، والهويه، والقياده، ووحده المجتمع. 3- فقه البقاء يعني بناء القدره قبل وقوع الخطر، وجعل الاستعداد ثقافه دائمه لا رد فعل مؤقتا. 4- فقه القوه الحقيقيه للاوطان منظومه متكامله تشمل الايمان، والعلم، والاقتصاد، والامن، والتقنيه، والوعي، والوحده الوطنيه. 5- السياسه الشرعيه الرشيده هي تحقيق المصالح، ودفع المفاسد، والموازنه بين الثوابت والمتغيرات. 6- الدوله التي تستشرف المالات لا تعيش بالازمات، بل تصنع مستقبلها بالرؤيه والتخطيط والاستعداد. وفي الحلقه الثانيه: الكويت نموذجا في فقه البقاء؛ كيف حافظت الدوله علي شرعيتها، واستعادت وجودها، وحولت الابتلاء الي درس تاريخي في الصمود والبناء د. عبد الحميد خليفه الشايجي

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓