الثاني من اغسطس… من الابتلاء الي البقاء (3 - 3)

كيف حافظ الكويتيون علي دولتهم؟ من السور الي الشرعيه… قراءه في سنن الاجتماع الوطني من الجهراء الي التحرير ليست قوه الدول فيما تملكه من ارض وثروات ومؤسسات فحسب، وانما فيما تملكه من مجتمع يدرك معني الانتماء، ويعي ان بقاء الوطن مسؤوليه مشتركه، وان حمايه الدوله ليست مهمه السلطه وحدها، بل عهد تتوارثه الاجيال. فالدول لا تختبر في اوقات الرخاء، وانما تكشف الشدائد حقيقه بنيانها؛ فهناك مجتمعات تتفرق عند النوازل فتضعف، واخري تجتمع عند الخطر فتزداد قوه وثباتا. ومن سنن الله في قيام الدول وبقائها ان الاجتماع علي المقاصد الكبري، وفي مقدمتها حفظ الدين والنفس والوطن، من اعظم اسباب دوامها واستقرارها. وقد اشار ابن خلدون الي هذا المعني حين جعل الاجتماع والتناصر من اسباب قيام الملك واستمراره؛ فالدوله لا تبني بالسلطه وحدها، وانما باراده مجتمع يري نفسه شريكا في حفظها. وعند قراءه التاريخ الكويتي نجد ان هذه السنه كانت حاضره في محطات مفصليه، جمعتها روح واحده: الالتفاف حول الوطن عند الخطر، وتقديم المصلحه العامه علي كل اعتبار. ففي عام 1920 واجهت الكويت خطرا كبيرا تمثل في معركه الجهراء، فظهر معدن المجتمع الكويتي؛ اذ اجتمع اهل الكويت حول قيادتهم، وتكاتفوا في الدفاع عن ارضهم، وادركوا ان حمايه الكيان مسؤوليه الجميع. ولم يكن بناء السور الثالث بعد تلك الاحداث مجرد مشروع دفاعي، بل كان رمزا لمعني اعمق؛ ان المجتمع حين يشعر بالخطر يتحول الي قوه متماسكه. فقد شارك اهل الكويت في بنائه كل بما يستطيع، فاصبح السور شاهدا علي وحده المجتمع، وتجسيدا لعلاقه خاصه بين الوطن وابنائه تقوم علي المسؤوليه والتضحيه. كما استحضرت الدوله في بناء مؤسساتها الحديثه مراحل التكوين الوطني الاولي، ومنها مرحله عام 1920، بوصفها جزءا من الذاكره الوطنيه التي تبلورت فيها معاني الانتماء والمسؤوليه الجماعيه،مع بقاء المواطنه في الدوله الحديثه اطارا جامعا لجميع ابناء الكويت،يقوم علي الدستور وسياده القانون، وتتساوي في ظله الحقوق والواجبات. ثم دارت الايام، وبعد سبعه عقود تقريبا، واجهت الكويت ابتلاء اخر مختلفا؛ ففي عام 1990 تعرضت لغزو عراقي غاشم، فلم يكن التحدي حمايه حدود او بناء سور حول مدينه، وانما حمايه الدوله ذاتها، وصيانه شرعيتها، والحفاظ علي كيانها السياسي. وكما اجتمع الكويتيون عام 1920 حول بناء السور، اجتمعوا عام 1990 حول حمايه الشرعيه واستعاده الدوله. اختلف شكل الخطر، لكن بقيت الاستجابه الوطنيه واحده: اجتماع الكلمه، والتمسك بالوطن، والالتفاف حول القياده الشرعيه. لقد احتل الاقليم، لكن الدوله لم تسقط؛لان الشرعيه بقيت، والقياده الشرعيه استمرت في تمثيل الدوله، والمؤسسات حافظت علي وجودها، وبقي المجتمع الدولي يعترف بالكويت دوله ذات سياده حتي تحقق التحرير. وفي الداخل، جسد الكويتيون اروع صور الصمود؛ فثبت المواطنون علي هويتهم الوطنيه، ورفضوا محاولات الاحتلال طمس شخصيه الكويت، وبرزت المقاومه الكويتيه بمختلف صورها، وسقط منها الشهداء والاسري، واستمرت شبكات التكافل والتعاون بين ابناء المجتمع، فاصبح التمسك بالهويه والشرعيه عملا يوميا من اعمال المقاومه. وفي الخارج، توحد الكويتيون خلف قيادتهم الشرعيه، وواصلت الحكومه الكويتيه اداء وظائفها الدستوريه، وتحركت الدبلوماسيه الكويتيه بكفاءه، واسهمت الجاليات الكويتيه في مختلف الدول في الدفاع عن قضيه وطنها، حتي بقيت الكويت حاضره في الضمير الدولي بوصفها دوله محتله يجب ان تستعيد سيادتها كامله. وكان مؤتمر جده الشعبي عام 1990 محطه مفصليه في هذا السياق؛ اذ جسد وحده الاراده الوطنيه،واكد ان الاجتماع علي الشرعيه، وتغليب المصلحه العليا، من اعظم اسباب تجاوز المحن، وان وحده الشعب والقياده كانت السور الحقيقي الذي حفظ الدوله حتي تحقق التحرير. فكما كان سور عام 1920 سورا يحمي الارض، كانت وحده الشعب عام 1990 سورا يحمي الدوله والشرعيه. الاول بني بالحجاره والطين، والثاني بني بالايمان، والوعي، والوفاء، والثقه المتبادله. وكلاهما عبر عن حقيقه واحده: ان الكويت كلما واجهت خطرا وجدت ابناءها مجتمعين علي حفظها. ان الرابط بين الجهراء والتحرير ليس رابطا بين حادثتين منفصلتين، وانما بين قيم وطنيه ثابته؛ ففي الاولي كان التحدي حمايه كيان ناشئ، وفي الثانيه كان التحدي حمايه دوله قائمه من محاوله طمس وجودها. وقد اثبتت التجربتان ان الامم لا تقاس بحجم ازماتها، وانما بقدرتها علي تحويل المحنه الي مصدر للقوه والوحده. وهنا تتجلي احدي سنن بقاء الدول؛ فالدوله التي تبني في اوقات الرخاء علاقه ثقه بين قيادتها وشعبها، وترسخ مؤسساتها، وتغرس في ابنائها معني المسؤوليه الوطنيه، تجد عند الشدائد رصيدا من الوفاء والانتماء يحفظها من الانهيار. وقد لخص القران الكريم هذا المعني؛ بقوله تعالي: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾؛ فالتنازع سبب للضعف، والاجتماع سبب للقوه. ومن هنا تقدم التجربه الكويتيه درسا بليغا في فقه الدول؛ فالاوطان لا تبقي بالقوه الصلبه وحدها، وانما بما تمتلكه من هويه وطنيه، وشرعيه دستوريه، وثقه متبادله بين الدوله والمجتمع، ومؤسسات راسخه، ومواطن يؤمن بان الدفاع عن وطنه مسؤوليه لا تنتهي بانتهاء الازمات. ولعل اعظم الدروس المستفاده من الانتقال من السور الي الشرعيه ان ادوات حمايه الوطن تتغير بتغير الازمنه، اما جوهر الحمايه فلا يتغير. ففي الامس احتاجت الكويت الي سور يحمي حدودها، اما اليوم فهي تحتاج الي وعي يحمي عقول ابنائها، وتعليم يبني الانسان، ومؤسسات تصون دوله القانون، واقتصاد يعزز استقلال القرار الوطني. ان المحافظه علي هذا الارث ليست مسؤوليه جيل بعينه، وانما امانه تتناقلها الاجيال؛ فلكل عصر سوره، ولكل جيل واجبه. فالدول لا يحفظها ارتفاع الاسوار وحده، بل يحفظها ارتفاع الوعي، ولا يحميها امتداد الارض فحسب، بل امتداد الوفاء في قلوب ابنائها. ومن السور الي الشرعيه، ومن الجهراء الي التحرير، بقيت الكويت شاهدا علي ان اعظم حصون الاوطان ليست من حجر، وانما من انسان مؤمن بوطنه، وقياده شرعيه، ومؤسسات راسخه، ووحده وطنيه لا تتزعزع. الزبده: 1. بقاء الدول يقوم علي اجتماع الشرعيه ووحده المجتمع ورسوخ الهويه الوطنيه. 2. مثل سور الكويت بعد احداث الجهراء عام 1920 رمزا لتكاتف المجتمع وتحمله مسؤوليه حمايه الوطن. 3. قامت الدوله الحديثه علي المواطنه والدستور وسياده القانون. 4. في عام 1990 انتقل التحدي من حمايه الارض الي حمايه الدوله وشرعيتها. 5. حافظ الكويتيون في الداخل والخارج علي قضيتهم حتي تحقق التحرير. 6. تؤكد التجربه الكويتيه ان الثقه بين القياده والشعب ورسوخ المؤسسات صمام امان الدوله. 7. سور العصر الحديث هو بناء الانسان وتعزيز الوعي والهويه الوطنيه. 8. قراءه التاريخ هي استخراج سنن الاجتماع الوطني لصناعه المستقبل. د. عبد الحميد خليفه الشايجي