ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharآراء بقلم مايا إبراهيم

ليس كل ما يأتي متأخراً قد تأخر حقاً

ثَمّة أشخاص يدخلون حياتنا في وقتٍ نظنّه متأخرًا، فنلتفت إلى السنوات التي سبقتهم ونتساءل: لماذا لم نلتقِ بهم من قبل؟ ولماذا احتاج هذا اللقاء إلى كل هذا الوقت؟ نحن نحب أن نمنح الحياة مواعيد من عندنا، وأن نعتقد أن بعض الأشياء كان ينبغي أن تحدث أبكر. لكننا لا نعرف دائمًا أن للقاءات توقيتها، وأن الإنسان قد لا يصل إلى إنسان آخر إلا حين يصبح قادرًا على إدراك قيمته، واستيعاب معنى حضوره. فالزمن ليس سنواتٍ تتراكم فحسب، بل نضجٌ وتجارب، وتبدّلٌ هادئ في نظرتنا إلى الناس والحياة. وربما لو التقينا بعضَ من نعتز بهم اليوم في مرحلة أبكر، لما امتلكنا آنذاك القدرة نفسها على تقديرهم، أو لما عرفنا معنى حضورهم كما نعرفه الآن. ثم تأتي الحياة، من حيث لا نتوقع، لتعيد ترتيب الأشخاص من حولنا. كم من علاقة امتدت سنوات طويلة حتى حسبناها جزءًا ثابتًا من حياتنا، ثم جاءت محنة واحدة فكشفت هشاشتها. أشخاص عرفناهم طويلًا، وظننّا أن طول القرب ضمانة، فإذا بهم يتراجعون عند أول اختبار، أو يغيبون في اللحظة التي كنا نحتاج فيها إلى حضورهم أكثر من أي وقت مضى. وفي المقابل، قد يدخل شخص حياتنا متأخرًا، من دون تاريخ طويل يجمعنا به، لكنه يظهر في لحظة فارقة، ويمنحنا من الصدق والدعم ما لم تمنحنا إياه سنوات كاملة من المعرفة. عندها نفهم أن طول العلاقة لا يضمن عمقها، وأن قِدَم المعرفة لا يساوي بالضرورة صدقها. فالأزمات لا تصنع حقيقة الناس، بل تكشفها؛ تُظهر من يبقى حين يصبح البقاء موقفًا، ومن كان وجوده مرتبطًا بالظروف المريحة. وربما لهذا تتبدّل نظرتنا إلى بعض الأشخاص بعد أزمة واحدة، فنكتشف أن من ظنناه ثابتًا لم يكن كذلك، وأن من لم ننتبه إليه كثيرًا كان أكثر أصالة. وفي الحياة أيضًا رحيلٌ لا نفهمه في لحظته. قد يخرج شخص من حياتنا ونحن نرى في غيابه خسارة لا تُعوّض، ثم تمضي السنوات فنكتشف أن بعض الرحيل كان حماية، وأن بعض الأبواب التي أُغلقت أمامنا لم تكن عقابًا، بل صيانةً لنا من طريق لم يكن مقدّرًا لنا. فليس كل من نحب بقاءه خيرًا لنا، وليس كل من نحزن لغيابه شرًّا علينا. أحيانًا يكون الإنسان متعلّقًا بما اعتاده، لا بما يصلحه، وحين يبتعد ما ألفناه، تتّسع في حياتنا مساحة لشيء لم نكن نراه. وقد يأتي العِوَض على هيئة إنسان. يظهر في وقت لم نخطط له، ومن طريق لم ننتظره، ثم نكتشف أن التوقيت الذي ظننّاه متأخرًا كان، في الحقيقة، أكثر الأوقات ملاءمة. كم من شخص لم نبحث عنه، لكنه وصل إلينا حين احتجناه، وكم من لقاء لم نخطط له، لكنه جاء وكأن له موعدًا لا نعرفه إلا بعد أن يحدث. ولعلنا لو التقينا بعض هؤلاء الأشخاص في وقت أبكر، لما كنا نحن الأشخاص الذين أصبحناهم اليوم. فنحن نتغيّر. تجاربنا تعيد تشكيلنا، وخيباتنا تعلّمنا، والسنوات تمنحنا قدرة أعمق على التمييز بين من يملأ وقتنا ومن يحتل مكانًا حقيقيًا في حياتنا. نحن نرى السنوات التي سبقت اللقاء، أما الله فيعلم لماذا احتاج اللقاء إلى كل تلك السنوات. وهنا تكمن حكمة التوقيت. لكن الأشخاص ليسوا وحدهم الذين قد يصلون متأخرين. أحيانًا تتأخر أشياء انتظرناها طويلًا: نجاحٌ ظننا أنه لن يأتي، وفرصةٌ جاءت بعد أن كدنا نفقد الأمل، واستقرارٌ احتاج إلى سنوات حتى يجد طريقه إلينا، واعترافٌ بجهد طال انتظاره. وقد يأتي المال بعد أعوام من الضيق، أو الشهرة بعد عمر من العمل في الظل، أو يتحقق حلم قديم في وقت لم نعد نعدّ فيه الأيام لوصوله. نحن نربط النجاح أحيانًا بالعمر، ونضع للحلم موعدًا نهائيًا، فإذا لم يصل في الوقت الذي رسمناه، اعتقدنا أنه لن يصل أبدًا. لكن الحياة لا تسير دائمًا وفق جداولنا. قد يتأخر النجاح لأن صاحبه كان يحتاج إلى التجارب التي سبقته، وقد تتأخر الفرصة حتى يصبح الإنسان أكثر استعدادًا لها، وقد يأتي الاعتراف بعد سنوات من العمل الصامت. ولو جاء بعض النجاح مبكرًا، ربما لم نعرف كيف نحافظ عليه. ولو جاءت الشهرة قبل أن تنضج التجربة، ربما سبقت الصورة صاحبها. ولو جاء المال قبل أن نتعلم إدارته، ربما أصبح عبئًا بدل أن يكون نعمة. لذلك، ليس المهم دائمًا متى يصل الشيء، بل ماذا يصنع بنا حين يصل. فبعض الرحيل يهيّئ الطريق، وبعض الانتظار يهيّئ الإنسان، وبعض التأخير يهيّئ اللحظة التي يصبح فيها الوصول أكثر معنى. ولهذا، ربما علينا أن نتوقف عن سؤال الحياة دائمًا: لماذا لم يحدث هذا أبكر؟ فليس كل ما يأتي متأخرًا قد تأخر حقًا. قد يأتي الإنسان بعد أن نكون قد تعبنا من انتظار من يفهمنا، وقد تأتي الفرصة بعد أن ظننا أن أبوابها أُغلقت، وقد يصل النجاح بعد سنوات من المحاولة، وقد يتحقق حلم قديم بعد أن كففنا عن الحديث عنه. والخير لا تتغيّر قيمته بسبب موعده. لذلك، حين نقول: «ليتني عرفتك أبكر»، قد يكون في الجواب ما يخفف عنّا سؤال السنوات كلها. فالله أعلم بالقلوب، وأعلم بمن يصلح أن يبقى، وبمن كان رحيله رحمة، وبمن ينبغي أن يأتي، ومتى يكون مجيئه أليق بنا. وهو أعلم أيضًا بالأحلام التي تأخرت، والفرص التي لم تأتِ بعد، والنجاحات التي نظن أنها ابتعدت عنا. فما نراه نحن تأخيرًا قد يكون في علمه إعدادًا، وما نحسبه ضياعًا قد يكون طريقًا إلى شيء آخر لم نكن نراه. وربما لا يكون أجمل ما في بعض اللقاءات أنها حدثت، ولا في بعض النجاحات أنها تحققت، بل أنها حدثت في الوقت الصحيح. فالوقت يمضي، والسنوات تتلاشى، لكن الخير لا يفقد قيمته لأنه جاء متأخرًا. فربما لم يتأخر بعض الناس، ولم تتأخر بعض الأشياء، بل وصلت إلينا جميعها في الموعد الذي اختاره الله لها.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓