قانون العمل الخيري الكويتي الجديد.. قراءة من منظور مؤشر بيئة العمل الخيري العالمي
على مدى ثلاثة تقارير شاركتُ في إعدادها حول بيئة العمل الخيري في دولة الكويت، ضمن مؤشر بيئة العمل الخيري العالمي (GPEI) الصادر عن جامعة إنديانا، كان الحديث عن قانون جديد ينظم العمل الخيري حاضرًا في كل مرة تقريبًا؛ إذ كنا نشير إلى مشروع القانون، ونترقب انتقاله من النقاش والمراجعة إلى التشريع النافذ؛ لما يمكن أن يمثله من نقلة مهمة لقطاع يمتلك تاريخًا طويلًا وحضورًا محليًا ودوليًا بارزًا. لذلك، جذبني صدور المرسوم بقانون رقم 87 لسنة 2026 بشأن تنظيم العمل الخيري والإنساني، ليس فقط باعتباره تشريعًا جديدًا طال انتظاره، بل كذلك لأنني وجدت نفسي، وأنا أقرأ مواده، أضعها تلقائيًا أمام الأسئلة والمعايير التي اعتدنا استخدامها في تقييم البيئة الممكنة للعمل الخيري في الكويت. ولعل أول ما يستحق الوقوف عنده في القانون هو الحضور الواضح لقضايا الحوكمة، والشفافية وحقوق المتبرعين والمستفيدين. وقد دعوتُ أكثر من مرة، ومنها مقال نشرته في الجزيرة نت قبل التغيرات الأخيرة التي شهدها العمل الخيري https://aja.ws/tqcghc ، إلى تعزيز الشفافية في القطاع، ليس باعتبارها عبئًا رقابيًا على المؤسسات، وإنما بوصفها إحدى أهم وسائل بناء الثقة بينها وبين المجتمع والمتبرعين، ومن هذه الزاوية، أرى أن القانون الجديد خطا خطوات مهمة، من خلال تنظيم الإفصاح المالي والسجلات، والرقابة على حملات جمع التبرعات، وحماية بيانات المتبرعين والمستفيدين، وإتاحة جانب من المعلومات للجمهور. ومن الجوانب المهمة أيضًا الاتجاه نحو المؤسسية والشراكة مع القطاع الخيري والإنساني، وإنشاء المركز الوطني للعمل الخيري والإنساني، إلى جانب الاهتمام بالحوكمة والتدريب والبحوث وبناء قدرات القطاع، وهنا، فإن التشريع الجيد لا ينبغي أن يقتصر على تنظيم المخالفات والعقوبات، بل يفترض أن يساعد المؤسسات على النمو والتطوير والاستدامة. وبحكم تجربتي مع مؤشر بيئة العمل الخيري العالمي، وجدتني أضع مواد القانون أمام المحاور الستة التي يقوم عليها المؤشر، وهي: سهولة تشغيل المنظمات الخيرية، والحوافز الضريبية، والتدفقات الخيرية العابرة للحدود، والبيئة السياسية، والبيئة الاقتصادية، والبيئة الاجتماعية، والثقافية. هذه المعايير توفر إطارًا بحثيًا مقارنًا يثير أسئلة مهمة تستحق الدراسة والمتابعة، وإن كنت لا أتعامل معها باعتبارها مرجعية مثالية أو وحيدة للحكم على التشريعات؛ ففي الوقت الذي يعزز فيه القانون المؤسسية والشفافية، ينبغي النظر، مثلًا، إلى أثر بعض الإجراءات في سهولة تأسيس الجمعيات ومدة التسجيل، وكذلك تعدد الموافقات المطلوبة لبعض الأنشطة، وخصوصًا ما يتعلق بالتبرعات والتحويلات والشراكات العابرة للحدود. فالمعادلة المطلوبة دائمًا هي تحقيق أعلى درجات النزاهة والرقابة وحماية الأموال، دون أن تتحول الإجراءات إلى عائق أمام سرعة وكفاءة العمل الخيري والإنساني. ومن جهة أخرى، فإن مواد القانون الجديد قد أخذت، ولو بشكل جزئي، بالتوصيات الواردة في تقريرنا الأخير عن الكويت ضمن مؤشر بيئة العمل الخيري العالمي 2025، حيث إن إنشاء مركز وطني للرقابة والتنظيم، مقابل منح الجمعيات استقلالية في تنفيذ برامجها، وحقوق في التعاون والعمل خارج الدولة، يتفق الى حد كبير مع الدعوة الى الحفاظ على نظام هجين، للعمل الخيري، يجمع المركزية والرقابة مع المرونة والإبداع وحرية العمل الخيري الخارجي. كما أن القانون يشير إلى السجلات والبيانات الإلكترونية والموقع الإلكتروني للمركز، بما ينسجم مع الدعوة الى دمج التكنولوجيا والرقمنة والذكاء الاصطناعي في العمليات التشغيلية! ومن المبكر إصدار حكم نهائي على القانون الجديد؛ إذ إن جزءاً مهماً من أثره الحقيقي ستحدده اللائحة التنفيذية والممارسة الفعلية، لكن صدور القانون يمثل بحد ذاته، في تقديري، محطة مهمة وبداية مرحلة جديدة للعمل الخيري الكويتي؛ حيث يوفر فرصة حقيقية لتعزيز الشفافية والمؤسسية والثقة والشراكة، والبناء على الإرث الكبير للكويت في العمل الإنساني. كلي شوق إلى أن أضع هذا القانون وتجربة تطبيقه أمام معايير مؤشر بيئة العمل الخيري العالمي في تقريرنا القادم ان شاء الله، وربما في بحث جديد يستكمل ما نشرناه سابقًا في جامعة الكويت حول «حرية العمل الخيري الكويتي من وجهة نظر قيادات الجمعيات الخيرية»؛ لنقارن، بصورة بحثية رصينة، بين ما سجلناه في التقارير والدراسات السابقة وما سيحدثه التشريع الجديد على أرض الواقع. لا تُقاس القوانين فقط بجودة نصوصها، وإنما بمقدار ما تصنعه من بيئة أكثر ثقة وشفافية وتمكينًا للعمل الخيري والإنساني لخدمة الإنسان، والمأمول من القانون الجديد أن يسهم في تطوير القطاع، وأن يحافظ للكويت على مكانتها وإرثها، ويعزز استمرار النموذج الكويتي في العمل الخيري والإنساني.