ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharآراء بقلم فهد بدر الهلبان

كأس الخليج وداعٌ يفتح الطريق إلى العالمية

عندما انطلقت بطولة كأس الخليج في عام 1970، كانت المنطقة الخليجية تقف على عتبة مرحلة جديدة. كانت عوائد النفط قد بدأت ترسم ملامح التحول الاقتصادي والعمراني، وكانت دول الخليج تبني مؤسساتها الحديثة وتؤسس قطاعاتها المختلفة، ومنها القطاع الرياضي. في ذلك الزمن، لم تكن البطولة مجرد منافسة على كأس؛ كانت مساحة للتعارف، واختبارًا مبكرًا للقدرات التنظيمية، وفرصة لتطوير الملاعب، وصقل الكوادر الإدارية، واكتشاف المواهب الكروية. ومن هذه الزاوية، يصعب إنكار الأثر الذي تركته كأس الخليج طوال أكثر من خمسة عقود. فقد تحولت البطولة إلى واحدة من أبرز الفعاليات الرياضية في المنطقة، وأسهمت في صناعة ذاكرة خليجية مشتركة، وفتحت الطريق أمام أجيال من اللاعبين والإداريين والحكام والمنظمين. كما أن المنافسة المستمرة بين المنتخبات الخليجية دفعت كرة القدم إلى التطور، ووفرت للاعب الخليجي مساحة مهمة للظهور قبل الانتقال إلى مراحل أكبر. لكن الخليج الذي استضاف البطولة الأولى في سبعينيات القرن الماضي ليس هو الخليج الذي نعيش فيه اليوم. فقد تغيّر حجم الإمكانات، واتسعت المدن، وتطورت المنشآت الرياضية، وأصبح الاحتراف أكثر حضورًا، كما وصلت خمسة منتخبات خليجية إلى نهائيات كأس العالم، وهو مؤشر على أن كرة القدم الخليجية تجاوزت مرحلة بناء الأساس إلى مرحلة الحضور في أكبر محافل اللعبة. وهنا تبرز الحاجة إلى سؤال أكثر أهمية: هل ما زالت البطولة تؤدي الدور نفسه الذي أدته في بداياتها؟ ربما لم تعد الأولوية اليوم هي تدريب الكوادر أو اكتساب الخبرة التنظيمية أو توفير الملاعب، فقد أصبحت دول الخليج تمتلك خبرات ومنشآت وإمكانات تفوق بكثير ما كان متاحًا عام 1970. ولذلك فإن استمرار البطولة بقيمتها التاريخية لا يعني بالضرورة استمرارها بالصيغة ذاتها. وفي المقابل، لا يمكن تجاهل الوجه الآخر للمشهد. فمع ارتفاع قيمة البطولة إعلاميًا وجماهيريًا، ظهرت أحيانًا مظاهر من التعصب، وتضخمت بعض أشكال البذخ في التنظيم والإنفاق، وتحولت المنافسة الرياضية في بعض المناسبات إلى سجالات إعلامية وتبادل للاتهامات، بما يبتعد عن الروح التي قامت عليها البطولة أصلًا. وهذا لا ينتقص من قيمة كأس الخليج، بقدر ما يؤكد أنها أصبحت بحاجة إلى مراجعة تتناسب مع واقع المنطقة الجديد. فبعد أكثر من خمسة عقود، ربما آن الأوان لأن تنتقل البطولة من كونها غاية بحد ذاتها إلى أن تكون وسيلة لإعداد جيل جديد من اللاعبين، من خلال الاكتفاء ببطولة خليجية لمنتخبات الشباب، تمنح المواهب مساحة للتنافس والتطور، وتكون محطة لاكتشاف اللاعبين قبل انتقالهم إلى المستويات القارية والعالمية. أما منتخباتنا الأولى، فقد أصبح طموحها أكبر من المنافسة الخليجية. فالمعيار الذي ينبغي أن يشغلها هو كأس آسيا، وكأس العالم، والمنافسة في البطولات الدولية، وبناء منتخبات قادرة على مواجهة المدارس الكروية المختلفة، لا الاكتفاء بالدوران داخل دائرة المنافسة الإقليمية. لقد كانت كأس الخليج في بدايتها بوابة للتطور، وحان الوقت لأن تصبح بوابة جديدة نحو العالم. وإذا كان جيل الأمس قد احتاج إلى البطولة لكي يتعلم كيف ينافس، فإن جيل اليوم يحتاج إلى أن يتجاوزها لكي يعرف كيف ينافس على مستوى أعلى. وهنا لا يكون وداع بطولة المنتخبات الأولى انتقاصًا من تاريخها، بل تكريمًا لدورها بعد أن أدت رسالتها لعقود طويلة. تبقى ذكراها في الملاعب والقلوب، وتستمر روحها في بطولة للشباب، بينما تنطلق المنتخبات الأولى إلى مساحة أوسع: من الخليج إلى آسيا، ومن آسيا إلى العالم. فالمستقبل لا يُبنى بتكرار نجاحات الأمس، وإنما بتحويلها إلى خطوة نحو نجاح أكبر. وربما يكون أفضل تكريم لكأس الخليج أن نمنحها نهاية تليق بتاريخها، وبداية تليق بمستقبل كرة القدم الخليجية.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓