ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharآراء بقلم مايا إبراهيم

فخ الألفة.. هل نختار ذائقتنا أم تُملى علينا؟

ثَمّة فارقٌ مفصليّ بين أن نختار ما نحبّه بملء إرادتنا، وبين أن نألف ما يتكرّر أمامنا حتى نتوهّم محبّته. والمسافة بين الخيارين أوسع بكثير مما نراه في حياتنا اليومية. في زمنٍ مضى، كان الإنسان يكتشف ذائقته بقدرٍ من التأني؛ يستمع إلى الأغنية، يتأمل الفيلم، ويتابع العمل الدرامي، ثم يقرر إن كان هذا الأثر يشبهه ويستحق أن يبقى في ذاكرته. أما اليوم، فنحن نعيش وسط تدفقٍ لا ينقطع من الصور والأصوات والاقتراحات، حتى أصبحت ممارسة الاختيار نفسها تحتاج إلى وعي. نفتح شاشاتنا، فتسبقنا الخوارزميات إلى تحديد ما نراه. الأغنية تُقترح لأنها حصدت استماعًا واسعًا، والفيلم لأن أرقام مشاهداته ترتفع، والشخصية لأن ملايين الحسابات تتابعها. وهكذا يتحول الشيوع تدريجيًا من مؤشر على الشعبية إلى ما يشبه «شهادة صلاحية». وهنا السؤال: هل نحب الأشياء لأنها لامست ذائقتنا فعلًا، أم لأننا تعرّضنا لها مرارًا حتى استقرّت في منطقة الألفة؟ فالاسم المكرّر يغدو مألوفًا، والوجه كثير الظهور يبدو أكثر أهمية، والأغنية التي تلاحقنا على المنصات تتسلل إلى يومياتنا قبل أن نسأل أنفسنا: هل نحبّها حقًا؟ ولعلّ الفن هو الساحة الأوضح لهذا التحول. فقد اتسعت ظاهرة الأعمال المعرّبة، ولا سيما المقتبسة عن الدراما التركية، حتى أصبح النموذج الناجح يُنقل بسهولة ويُعاد إنتاجه في بيئة أخرى. ولا مشكلة في الاقتباس بحد ذاته؛ فالإبداع عرف التأثر وإعادة القراءة منذ زمن بعيد. لكن المشكلة تبدأ حين تصبح الحكاية الجاهزة أسهل من البحث عن حكاية تولد من بيئتنا وتفاصيل حياتنا. فبعض الأعمال المعرّبة ينقل معه إيقاعًا وشخصيات وصراعات لا تشبه بالضرورة مجتمعاتنا، فنخسر فرصة أن نرى أنفسنا في الفن. وفي المقابل، هناك كُتّاب يقدّمون حكايات تلتقط تحولات المجتمع وأسئلته، لكن نصوصهم قد تبقى في الأدراج لأنها لا تأتي في القالب الذي اعتادت الصناعة أن تراهن عليه. وحين تكافئ المنظومة الوصفة المجرّبة أكثر من الفكرة الجديدة، يتسلل الاستنساخ؛ فتتشابه الحبكات والقوالب والشخصيات، ويتراجع سؤال: «هل يحمل هذا العمل جديدًا؟» لصالح سؤال: «هل سيحقّق النجاح نفسه؟» وفي المناخ نفسه، تتسلل معايير وسائل التواصل الاجتماعي إلى القرار الفني؛ فحجم المتابعة، ومعدلات التفاعل، وانتشار الاسم، أصبحت جميعها عواملَ تؤثر في الترشيح والاختيار. وهذا لا يعني أن أصحاب الحضور الرقمي يفتقرون إلى الموهبة؛ فهناك من جمع بين الانتشار والكفاءة. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الشهرة الرقمية إلى بديل عن الاختبار الفني، وكأن الأرقام وثيقة صلاحية. فصناعة محتوى ناجح على المنصات لا تعني بالضرورة القدرة على بناء شخصية درامية، أو فهم نص، أو حمل مشهد. ولأن الأرقام سهلة القياس، تصبح ملايين المشاهدات لغةً مغرية للمنصة والمنتج والمعلن، بينما تتراجع معايير يصعب وضعها في جدول: الأصالة، الموهبة، العمق، والقدرة على ترك أثر يبقى. وتكتمل الدائرة: ما ينجح يُعاد إنتاجه، وما يتكرر يزداد انتشارًا، حتى يصعب أحيانًا معرفة ما إذا كان الجمهور يختار فعلًا، أم يختار من بين خيارات رُسمت له مسبقًا. فالذائقة ليست مجرد تفضيل شخصي، بل قدرة على التمييز والوعي بأسباب التفضيل والرفض. وحين تتماهى الشهرة مع الجودة، والتكرار مع الأصالة، والشيوع مع القيمة، تفقد الذائقة جزءًا من استقلالها. لكن الخروج من هذه الدائرة لا يعني رفض التكنولوجيا أو وسائل التواصل أو الدراما المعرّبة، بل المطلوب هو استعادة المسافة النقدية؛ ألا نخلط بين السائد والجيد، وبين المألوف والأصيل. فالمتابعون قادرون على صناعة نجم، لكنهم لا يستطيعون وحدهم صناعة موهبة. والعمل المعرّب قد يحقق نجاحًا جماهيريًا، لكن نجاحه لا يمنحه بالضرورة قيمة إبداعية. والنصوص التي تبقى في الأدراج لا تصبح أقلّ قيمة لمجرد أنها لم تجد طريقها إلى الشاشة؛ فأحيانًا تكون المشكلة في الطريق، لا في النص. ربما حان الوقت لنستعيد السؤال البسيط وسط كل هذا التدفق: «هل أحببت هذا العمل حقًا؟» لا لأنه متصدّر للتداول، ولا لأن الجميع يتحدث عنه، ولا لأن الخوارزمية وضعته أمامنا للمرة العاشرة. في عالم يتجه نحو السرعة والتشابه، يصبح التمسك بالذائقة الخاصة والتفكير النقدي نوعًا من المقاومة الهادئة. أن نختار ما يشبهنا، لا ما يُطلب منا أن نألفه. فربما لم تتغيّر ذائقتنا وحدها، ولم يتغيّر الفن وحده. ربما تغيّر أيضًا ما يصل إلينا، ومن يقرر ما الذي يستحق أن نراه، وما الذي يستحق أن يتكرر أمامنا. والخطر الحقيقي أن نفقد، بالتدريج، القدرة على معرفة ما نحبّه فعلًا، إلا بعد أن يخبرنا الآخرون بما ينبغي أن نحب.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓