من يروي قصة غزة بعد الحرب؟
أضاء خريجو كلية الطب في الجامعة الإسلامية بغزة هواتفهم في حفل تخرجهم الأخير. لم تكن هناك أضواء القاعات التي اعتاد عليها طلاب الطب، وجوه شابة تحمل الشهادات وضوءًا صغيرًا يكفي لكي يرى الجميع بعضهم بعضًا. هؤلاء الطلاب كانوا في سنتهم الثالثة عندما بدأت الحرب، وواصلوا تعليمهم وسط النزوح ونقص الإمكانات حتى وصلوا إلى يوم التخرج. الصورة تبدو للوهلة الأولى تعبّر عن الصمود، لكنها تحمل سؤالًا أبعد: كيف تبدأ غزة في التفكير بالمستقبل، بينما لم تُغلق بعد ملفات الحرب، ولم تبدأ عملية التعافي الفعلية؟ في هذه اللحظة يظهر فيلم «NAZA» الإسرائيلي، الفيلم، الذي أخرجه الصحفيان يوفال أبراهام وراشيل زور، يعتمد على شهادات لجنود وعناصر استخبارات إسرائيليين حول عمليات الاستهداف في غزة، ويطرح رواية تتعارض مع ما تقوله المؤسسة العسكرية الإسرائيلية عن إدارة الخسائر المدنية، لكن أهمية الفيلم كانت في رد الفعل عليه. فقد انتقل الجدل إلى داخل إسرائيل نفسها. نتنياهو أعلن نيته الدفع بتشريعات تزيد العقوبات المتعلقة بالتشهير بالجنود، فيما دُرست إجراءات قانونية ضد صانعي الفيلم، في الوقت الذي دافع فيه صحافيون وفنانون ومنظمات إسرائيلية عن حقهم في عرضه. وفي الطرف الآخر من المشهد الإعلامي الإسرائيلي تظهر قناة 14، التي تمثل اتجاهًا مختلفًا تمامًا في تناول الحرب. وثقت «لوموند» تصريحات بثتها القناة واعتبرتها منظمات إسرائيلية تحريضية تجاه الفلسطينيين، بينما رفضت القناة الاتهامات واعتبرتها محاولة سياسية لاستهداف الإعلام اليميني. بين «NAZA» والقناة 14 تظهر ساحة إعلامية تتصارع فيها روايات مختلفة حول الحرب، وحدود نقد الجيش، وحدود الخطاب تجاه الفلسطينيين. لكن المشكلة تتجاوز إسرائيل. ففي أبريل الماضي طالبت أكثر من عشرين مؤسسة إعلامية عالمية، بينها أسوشيتد برس وبي بي سي وسي إن إن ورويترز ونيويورك تايمز وواشنطن بوست، بالسماح للصحافيين الأجانب بالدخول المستقل إلى غزة. وقالت المؤسسات: إن العمل الميداني ضروري للتحقق من الروايات الرسمية ورؤية آثار الحرب مباشرة. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: إذا كانت الرواية نفسها موضع صراع، فمن يروي قصة غزة بعد توقف الحرب؟ فوقف القصف لا يعني انتهاء آثار الحرب. التقييم المشترك للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي قدّر احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 71.4 مليار دولار خلال عشر سنوات، مع تضرر أو تدمير أكثر من 371 ألف وحدة سكنية، وتعطل أكثر من نصف المستشفيات، وتضرر أو تدمير معظم المدارس. والواقع أكثر قسوة: قبل أيام انهار مبنى متضرر من الحرب في غزة، فقتل 21 شخصًا. كانت عائلات تقيم فيه رغم خطورته، لأن البدائل الآمنة محدودة، بينما لا تزال إعادة الإعمار الكبرى متعثرة بعد أشهر من وقف إطلاق النار. لذلك فإن السؤال عن غزة يتعلق بما إذا كان يمكن استعادة حياة طبيعية فوق هذا الدمار.