ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharآراء بقلم د. سامر أبو رمان

تحكيم البحوث العلمية قبل الذكاء الاصطناعي ليس كما بعده!

من التجارب التي جعلتني أعيد التفكير في التعامل الأكاديمي مع الذكاء الاصطناعي تجربة شخصية حين شاركت في تحكيم بحوث في جامعة الكويت، فمع الانتشار السريع لأدوات الذكاء الاصطناعي، أصبح من الصعب التعامل مع البحث بالطريقة التقليدية نفسها، أو افتراض أن كل ما نقرأه أمامنا مرّ بالمسار الذي اعتدنا عليه قبل سنوات. السؤال، في تقديري، لم يعد فقط: هل استخدم الباحث الذكاء الاصطناعي أم لا؟ بل أصبح: كيف استخدمه؟ وفي أي مرحلة؟ وهل كان استخدامه للمساعدة في التفكير أو التنظيم أو التحرير، أم أنه حلّ محل الباحث نفسه؟ وهل تم الإفصاح عن ذلك بوضوح؟ وخلال وجودي في جامعة برنستون لاحظت مبكرًا كيف أحدث ظهور الذكاء الاصطناعي نقاشًا حقيقيًا في البيئة الجامعية، وخصوصًا في العلاقة مع طلبة الدراسات العليا. لم تكن الاستجابة مجرد منع أو اتهام؛ بل شاهدت جلسات ونقاشات وعصفًا ذهنيًا بين الأساتذة والطلبة حول ما الذي يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي فيه، وما الحدود المقبولة، وما الذي ينبغي الإفصاح عنه. وهذه، في رأيي، هي النقطة التي نحتاج إليها في جامعاتنا: الشفافية قبل العقوبة، والنقاش قبل الاتهام، ووضع قواعد واضحة قبل محاسبة الطالب أو الباحث عليها. واللافت أن هذا الاتجاه أصبح اليوم أكثر وضوحًا في سياسة برنستون نفسها، فالجامعة تترك للأستاذ تحديد ما هو مسموح به في المقرر، لكنها تشترط على الطالب، عندما يكون استخدام الذكاء الاصطناعي مسموحًا، أن يفصح صراحة عن استخدامه؛ بل إن عدم الإفصاح يمكن أن يُعامل بوصفه مخالفة للنزاهة الأكاديمية. وتوفر الجامعة نموذجًا للإفصاح يبين الأداة المستخدمة والغرض منها، مثل العصف الذهني أو إعداد الهيكل أو التحرير اللغوي. هذا التحول مهم؛ لأنه ينقل الجامعة من محاولة اكتشاف «من استخدم ChatGPT؟» إلى سؤال أكثر فائدة: ماذا فعل الطالب به، وما الجزء الذي بقي من مسؤوليته الفكرية؟ وفي جامعة أكسفورد، ذهبت السياسة البحثية الجديدة أبعد من ذلك، فمنذ 2025 أصبحت سياسة استخدام الذكاء الاصطناعي في البحث تشمل دورة البحث نفسها، بما فيها إعداد الأفكار، ومراجعة الأدبيات، وتحليل البيانات، وكذلك المراجعة والتقييم، وتطلب أكسفورد الإفصاح عن الاستخدام الجوهري للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك اسم الأداة وكيف أثرت في العملية البحثية، مع التأكيد أن الباحث يظل المسؤول النهائي عن المضمون. كما تحذر المحكّمين من رفع مخطوطات أو طلبات تمويل سرية إلى أدوات الذكاء الاصطناعي دون التأكد من حماية حقوق الملكية والسرية. وفي هارفارد أيضًا، لم يعد النقاش قائمًا على تجاهل هذه الأدوات؛ بل تؤكد توجيهات الجامعة مسؤولية المستخدم عن كل محتوى ينتجه بمساعدة الذكاء الاصطناعي، وتشجع أعضاء هيئة التدريس على توضيح ما يسمحون به وما يمنعونه للطلبة في العمل الأكاديمي. وهذا يقودني إلى قضية التحكيم العلمي نفسها، ربما أصبح من الضروري أن تتضمن المجلات والجامعات ونماذج تسليم الرسائل والأبحاث خانة واضحة تقول: هل استُخدم الذكاء الاصطناعي؟ ما الأداة؟ وفي ماذا استُخدمت؟ في التدقيق اللغوي؟ تحليل البيانات؟ تلخيص الأدبيات؟ البرمجة؟ أم في صياغة أجزاء من النص؟ فالإفصاح لا يعني بالضرورة الإدانة ! على العكس، قد يكون الإفصاح هو الطريق الجديد للنزاهة العلمية. لقد أصبح الذكاء الاصطناعي واقعًا داخل الجامعة، وسيكون من الصعب إعادته إلى خارج أسوارها، لذلك فإن محاولة منعه بالكامل ليست دائمًا الحل الأكثر واقعية. الأجدى أن نعلّم الطالب والباحث كيف يستخدمه، وأين يتوقف، وكيف يتحقق من مخرجاته، ومتى يجب أن يعلن عن استخدامه. وربما نحتاج اليوم إلى قاعدة أكاديمية بسيطة: استخدم الذكاء الاصطناعي إن كان مسموحًا ومفيدًا، لكن لا تخفِ استخدامه، ولا تجعله يفكر بدلًا منك، ولا تنسب إلى نفسك ما لم تنتجه أنت. فالمرحلة المقبلة لن تكون مرحلة جامعات «تستخدم الذكاء الاصطناعي» وأخرى «لا تستخدمه»، بل جامعات نجحت في بناء ثقافة واضحة ومسؤولة وشفافة لاستخدامه، وأخرى ما تزال تتعامل معه بمنطق المنع والملاحقة فقط.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓