البوصلة
ما الأداة التي تدلّك على الطريق الصحيح فعلاً؟ ما بوصلتك؟ وهل تعرفها وتعرف كيف تعمل؟ حسناً، لنبدأ من البوصلة نفسها. البوصلة أداة لتحديد الاتجاهات، تعمل بواسطة إبرة ممغنطة تشير دائماً إلى الشمال المغناطيسي للأرض، ومن خلاله يمكن معرفة بقية الاتجاهات. فهي، ببساطة، تتأثر بالمجال المغناطيسي للأرض. وهنا ملاحظة مهمة: إبرة البوصلة تشير إلى الشمال المغناطيسي، لا إلى الشمال الجغرافي تماماً، أي القطب الشمالي الحقيقي للأرض. والفرق بينهما يُسمّى «الانحراف المغناطيسي»، وهو يختلف من مكان إلى آخر. ولهذا، فإن استخدام البوصلة يبدأ أولاً من معرفتك بموقعك الحالي؛ فأنت تحتاج أن تعرف أين تقف، ثم تحدد اتجاهك، وبعدها تستطيع أن تسير نحو الوجهة التي تريد الوصول إليها. وهنا يتحول السؤال من الملاحة إلى الحياة: هل وجدت بوصلتك أنت؟ وهل تعرف أين تقف الآن، وإلى أين تتجه؟ لا أتحدث هنا عن الجهات الأربع، بل عن توجهاتك، وما تصبو إليه، وما تريد أن تكون عليه. هل لديك خطة؟ أم أنك تسير بلا بوصلة ولا خريطة، كالتائه الذي يظن أنه فقد الطريق، بينما قد يكون قد فقد أولاً معرفته بنفسه؟ أظن أن بوصلة الإنسان هي قيمه. كلما عرفت قيمك، اتضحت اتجاهاتك. وكلما عرفت نفسك أكثر، عرفت الطريق الذي يليق بك أكثر. فالمشكلة في كثير من الأحيان ليست أننا لا نعرف إلى أين نريد أن نصل، بل أننا لا نعرف من نحن ونحن نسير. ولعلي أجد أن الله هو الثابت في كل رحلاتنا. تتغير الأماكن، والظروف، والناس، وتتبدل الخطط والوجهات، لكن الله هو الثابت الذي لا يتغير. وما يقضي به الله خير وأبقى، حتى وإن لم نفهمه في لحظته. ومعرفتك لنفسك قد تقودك إلى معرفة ربك أكثر كما قال لي جدي ذات مرة. وحين تُسلِّم وتسعى؛ ثِق وكُن على يقين بأنه سيدلّك، ويضعك في المكان المناسب، ويهيئ لك ما يعينك على تحديد اتجاهك، ثم السير في الطريق الذي كُتب لك. فكلما مرت بك ظروف الحياة، حلوها ومرها، حسنها وسوؤها، كان الله معك. وحين تشعر أنك ضائع وسط زحام الحياة، تذكّر ألا تأخذك زخارفها بعيداً، وألا يجرفك حزنها حتى تفقد اتجاهك. الله هو بوصلتك الآمنة في كل قول وعمل. وكلما ابتعدت، عدت إليه. وكلما اختلطت عليك الطرق، رجعت إليه. وكلما ظننت أنك فقدت الاتجاه، وجدت عنده نقطة البداية من جديد. ولعل ما نتعلمه مع الوقت أن النعم لا تأتي دائماً في الصورة التي ننتظرها، ولا نفهمها منذ لحظتها الأولى. بعضها يولد بعد السعي، وبعضها لا ينكشف إلا بعد طول نظر وتأمل، وبعضها يأتي متخفياً في ظرفٍ ظننّاه شراً، ثم نكتشف لاحقاً أنه كان الطريق إلى خير لم نكن نراه. قد تمنحك الظروف صديقاً لم تكن لتعرفه لولاها، أو وعياً لم يكن ليتشكّل فيك من دونها، أو علماً يتراكم بهدوء حتى يصنع منك شيئاً لم تكن تعرف أنه يكمن فيك أصلاً، ويُظهر لك قدرةً أو معنىً أو جانباً من نفسك لم تكن تعرف أنك تستطيع الوصول إليه. وهكذا تتغير نظرتك لما يمر بك؛ فلا تعود تقيس الخير والشر بظاهر اللحظة وحدها، بل بما قد تولّده الأيام منها. وربما كان من أعمق وجوه الهداية أن تعرف، بعد كل ذلك، أن ما ساقه الله إليك لم يكن عبثاً، وأن بعض الطرق لم تكن لتقودك إلى نفسك لولا أنها بدت في بدايتها بعيدةً عنها. وهذا في ظني هو المعنى الأصيل للبوصلة؛ فهي ليست لتمنحك طريقاً خالياً من الالتباس، ولا أن تخبرك بما ستجده في كل خطوة، بل أن تمنحك مرجعاً ثابتاً كلما تبدلت الطرق من حولك. قد تتغير المسارات، وقد تطول الرحلة، وقد تمر بأماكن لم تكن ضمن خطتك، لكن ما دامت البوصلة ثابتة، فلن يكون كل انحراف ضياعاً، ولا كل تأخر خروجاً عن الطريق. وأحياناً تكون هذه البوصلة إنساناً يضع الله أثره في حياتك، فيدلّك على معنى لم تكن تراه، أو يعيدك إلى أصل كنت ستنساه. ومن أسباب فهمي للبوصلة ومعناها الحقيقي ومعرفة السياق الذي أنطلق منه كل مرة وهو إحدى النعم التي رُزقت بها أثناء مسيري في رحلة الحياة هو معلمي وأبي الروحي، أخي الأكبر وصديقي الأستاذ محمد العطوان، الذي علمني أن كل ما لم يُذكر فيه اسم الله أبتر، وكل ما لا يُراد به وجهه يضمحل. وهو الذي رأيت على جدار بيته يوماً مقولة للإمام الغزالي: «الرضا باب الله الأعظم، وجنته في الأرض». ولعل من جميل عطاء الله للإنسان أنه حين يحبه، يرزقه أناساً يحبهم الله؛ فتحبهم، ويحبونك، ويكون وجودهم في حياتك جزءاً من هدايتك إلى الطريق. اللهم ارزقنا حبك، وحب من يحبك، وحب كل عمل يقربنا إلى حبك. وعلى الله نتوكل، وبه نستعين.