هل خريج كلية الشريعة مكانه المسجد فقط؟!
هل يعقل أن يدرس الطالب أربع سنوات أو أكثر في كلية الشريعة ويتعمق في الفقه وأصوله والقواعد الفقهية ومقاصد الشريعة والفقه المقارن ثم يكون كل ما ينتظره بعد التخرج هو وظيفة في المسجد فقط ويحرم من مجالات كثيرة. بالتأكيد لا أحد يقلل من قيمة الإمام أو الخطيب أو المؤذن فهذه أعمال جليلة ولها مكانتها لكن المشكلة تبدأ عندما نختصر خريج كلية الشريعة في هذه الوظائف فقط وكأن سنوات الدراسة والتخصص لا تفتح أمامه أي مجال آخر. كلية الشريعة ليست معهدًا لتخريج أئمة المساجد فقط. هي كلية جامعية لها مناهجها وتخصصاتها وتخرج شخصًا لديه معرفة واسعة بالأحكام الشرعية وأصول الاستنباط والقواعد التي بني عليها الفقه الإسلامي إضافة إلى دراسة مسائل المعاملات والأحوال الشخصية وغيرها من الموضوعات التي لها ارتباط مباشر بالقانون والتشريع. وهنا يطرح السؤال نفسه: إذا كان خريج الشريعة لا يصلح إلا للمسجد فلماذا ندرس هذه التخصصات في الجامعة؟ ولماذا لا تكون أمامه مجالات أخرى تتناسب مع ما تعلمه؟ في الكويت تحديدًا تبدو المسألة أكثر أهمية أن الشريعة الإسلامية مصدر رئيس للتشريع. وهذا يعني أن وجود المتخصصين في الشريعة لا ينبغي أن يقتصر على المساجد بل من الطبيعي أن تكون لهم أدوار في الجهات التي تحتاج إلى البحث الشرعي والدراسات القانونية والتشريعية والفتاوى والأحوال الشخصية وغيرها من المجالات التي تحتاج إلى فهم حقيقي للشريعة وأصولها. ولا يعني هذا أن خريج الشريعة يجب أن يصبح قاضيًا أو محاميًا لمجرد حصوله على الشهادة فلكل مهنة شروطها وتخصصاتها. لكن من غير المنطقي أيضًا أن تُغلق أمامه كل الأبواب الأخرى لمجرد أنه درس الشريعة. والأمر لا يتعلق فقط بالوظيفة بل بالاستفادة من الكفاءة الوطنية. فالدولة عندما تنفق على تعليم الطالب الجامعي سنوات طويلة من الطبيعي أن تبحث عن أفضل الطرق للاستفادة من علمه وتخصصه لا أن تحصره في مجال واحد مهما كانت قدراته ومؤهلاته. بل إن الجمع بين الدراسة الشرعية والدراسة القانونية يمكن أن يصنع كفاءة مميزة في مجالات كثيرة؛ لأن القانون في النهاية يتعامل مع النصوص والأحكام والمبادئ والشريعة الإسلامية لديها رصيد فقهي وتشريعي ضخم يمتد عبر قرون طويلة. المطلوب إذن ليس إلغاء وظائف المساجد ولا التقليل من شأنها وإنما تصحيح النظرة إلى خريج الشريعة. فكما لا نقول إن خريج القانون لا يصلح إلا للمحاماة، ولا نقول إن خريج الاقتصاد لا يمكن أن يعمل إلا في المحاسبة، فمن غير المنطقي أن نقول إن خريج الشريعة لا مكان له إلا المسجد. المسجد أحد الميادين التي يمكن أن يخدم فيها خريج الشريعة لكنه ليس الميدان الوحيد. والأصل أن تكون الشهادة بابًا للفرص لا سببًا لإغلاقها. خريج الشريعة درس علمًا له علاقة بالتشريع والقانون والمجتمع والأسرة والمعاملات ومن حقه أن يجد فرصًا وظيفية تتناسب مع علمه وكفاءته وفق الأنظمة والشروط المعمول بها في الدولة. وفي النهاية القضية ليست دفاعًا عن خريجي الشريعة بقدر ما هي دعوة إلى الاستفادة من التخصصات الجامعية بالشكل الصحيح. فإذا كنا نؤمن بأهمية التعليم والتخصص فعلينا أن نؤمن أيضًا بأن خريج الشريعة قادر على خدمة وطنه في أكثر من مجال. المسجد اجمل مكان لخريج الشريعة لكنه ليس المكان الوحيد له.