أحياناً.. الحاجة تكون نعمة
في عالمٍ يلهث خلف الثراء السريع، نغفل أحياناً عن الوجه الخفي للوفاء والترابط. يظن الكثيرون أن الوفرة والبذخ هما ذروة السعادة، لكن الواقع يثبت غالباً أن الوفرة المطلقة تزرع الاستغناء والتفرد، فتفرق القلوب، بينما تجمع الحاجةُ الناسَ وتشد وثاقهم. تُحكى قصةُ قريةٍ صغيرة ضربها جفافٌ شديد، فقلّ الماعز وجفّت الآبار. لم يكن أمام الأهالي سوى أن يتشاركوا ما بقي لديهم من طعام وقليل من الماء. في تلك الأيام القاسية، اندثرت الخلافات القديمة، وأكل الجميع من طبقٍ واحد. ولما فرجت الأزمة واغتنى بعضهم، بنى كل ميسورٍ سوراً عالياً حول بيته، واستغنى عن جاره! لقد جمعتهم الحاجة اليومية، وفرقتهم الوفرة الفائضة. حقاً، كما يقول المثل المأثور: «شدةٌ تُجمّعنا، خيرٌ من رخاءٍ يُفرّقنا». فالحاجة ليست دائماً حرماناً، بل هي الغراء الذي يربط القلوب ويُنعش روح التكافل البشري. وكما قال الإمام الشافعي: جَزَى اللهُ الشَّدَائِدَ كُلَّ خَيرٍ وَإِن كانت تُغِصُّني بِالرِياقِ وَمَا شُكْرِي لَهَا حُبًّا وَلَكِنْ عَرَفْتُ بِهَا صَدِيقِي مِنْ شَقِيقِي لفتة نفسية سيكولوجياً، تُنعش الحاجة والمشاركة إفراز هرمون «الأوكسيتوسين» (هرمون الترابط الاجتماعي)، مما يُشعر الإنسان بالأمان والانتماء وسط مجموعته. في المقابل، قد تدفع الوفرة الزائدة النفسَ البشرية نحو «العزلة النفسية» وتضخم الأنا، فيتولد شعورٌ وهمي بعدم الاحتياج للآخرين. إن احتياجك لغيرك ليس ضعفاً، بل هو الدافع الفطري الذي يحميك من عزلة الوفرة، ويصنع لإنسانيتك معنى حقيقياً.