ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharآراء بقلم علي البحراني

تراهم يضحكون عليك

التصفيق والضحك: حين يتحول الخوف من الفكرة إلى حكمة شعبية زائفة تتكرر في فضاءات النقاش عبارة أصبحت أشبه بالتعويذة الجاهزة التي يلوح بها بعض خصوم التجديد كلما ظهرت فكرة مختلفة أو قراءة جديدة أو رؤية تحاول مساءلة الموروث: «ترى اللي يصفقون لك يضحكون عليك» تقال بثقة المنتصر وكأنها قانون اجتماعي مكتشف أو حقيقة إنسانية لا تقبل الجدل لكنها في جوهرها ليست سوى محاولة لإعدام الفكرة عبر التشكيك في جمهورها ونزع الشرعية عنها دون الدخول في مناقشتها إنها ليست حجة بل هروب من الحجة فحين يعجز الإنسان عن مواجهة الفكرة يبدأ بمهاجمة من يستمع إليها، وحين لا يستطيع دحض البرهان يطعن في المتفاعلين معه، وحين يفشل في إيقاف التغيير يحاول زرع الشك في نفوس من يسيرون نحوه. لقد عرف التاريخ هذه الظاهرة منذ فجر الحضارات، فكل فكرة جديدة كانت تواجه أولاً بالسخرية، ثم بالمقاومة، ثم تواجه بالتخوين وتتحول لاحقاً إلى جزء من البديهيات الإنسانية، وقد نسب إلى الفيلسوف آرثر شوبنهاور قوله الشهير: «كل حقيقة تمر بثلاث مراحل: تسخر منها أولاً، ثم تعارض بعنف ثم تقبل كأنها بديهية» وقد أصبحت هذه العبارة من أكثر الأقوال تداولاً في فلسفة التغيير الفكري. ولو طبقنا منطق أصحاب تلك العبارة على التاريخ، لوجب علينا أن نعتقد أن الذين صفقوا لـ غاليليو غاليلي كانوا يسخرون منه، وأن الذين التفوا حول أفكار تشارلز داروين كانوا يضحكون عليه، وأن الذين احتفوا بأفكار مانديلا أو مارتن لوثر كينغ لم يكونوا مقتنعين بما يقولان ! لكن الواقع يخبرنا بعكس ذلك تماماً، فالإنسان غالباً لا يصفق سخريةً كما لا يعارض دائماً وعياً، التصفيق قد يكون اعترافاً وقد يكون امتناناً وقد يكون اكتشافاً لشيء كان غائباً في أعماق النفس، كما أن الرفض ليس دائماً دليلاً على الحكمة بل قد يكون في كثير من الأحيان تعبيراً عن خوف دفين من المجهول. لقد أدرك علماء النفس الاجتماعي أن الجماعات تميل إلى الدفاع عن المألوف حتى عندما تظهر أدلة أقوى لصالح الجديد، فالدماغ البشري لا يحب أن يعترف بسهولة بأن ما آمن به سنوات طويلة قد يكون في حاجة إلى مراجعة، ولهذا تبدو الفكرة الجديدة كأنها تهديد للهوية أكثر من كونها موضوعاً للنقاش، ومن هنا تولد تلك العبارات الدفاعية السريعة، بل وقد يتبرع أحد الملاك أن يخرجك من عقار المذهب أو الجماعة، إنها ليست وصفاً للواقع بقدر ما هي محاولة لحماية اليقين القديم من أسئلة المستقبل، الفيلسوف الإيطالي جيامباتيستا فيكو رأى أن المجتمعات تتطور عبر مراحل متعاقبة، وأن التاريخ لا يعيد نفسه بصورة دائرية، بل يتحرك في مسار حلزوني يصنع الجديد من تراكم الخبرة الإنسانية، ولذلك فإن كل جيل يملك حقه الطبيعي في إعادة النظر وإعادة الفهم وإعادة القراءة، فالثبات المطلق ليس علامة صحة، بل إن الحياة نفسها قائمة على التغير، النهر يتجدد وهو نهر والشجرة تتبدل أوراقها وهي الشجرة ذاتها، والإنسان يغير أفكاره عشرات المرات خلال حياته، ويبقى هو نفسه، أما الجمود فهو الصفة الوحيدة التي لا تنتمي إلى الأحياء. ومن المفارقات العجيبة أن كثيراً ممن يرددون: «اللي يصفقون لك يضحكون عليك» ينسون أن التاريخ نفسه لم يكن سوى سلسلة طويلة من التصفيق، لأفكار كانت تعتبر يوماً جنوناً. فالديموقراطية كانت ضرباً من الخيال، وحقوق الإنسان كانت ترفاً فكرياً، وإلغاء العبودية كان تمرداً على النظام الطبيعي كما كان يقال آنذاك، وتعليم المرأة كان كارثة متوقعة في نظر المحافظين. ثم مرت السنوات… وأصبح الجنون عقلاً. وأصبح التمرد قانوناً. وأصبح المستحيل أمراً عادياً. لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يصفق الناس لك؟ ولا: هل يعارضونك؟ ولا: هل يسخرون منك؟ السؤال الأهم هو: هل تحمل فكرتك منطقاً قادراً على الحياة؟ فالأفكار لا تقاس بعدد المصفقين ولا بعدد الغاضبين ،إنما تقاس بقدرتها على الصمود أمام العقل والزمن ، أما التصفيق والضحك معاً فهما مجرد أصوات عابرة. يبقى منها ما يستحق البقاء… وتذرو الريح ما عداه. فهلا غيرتم جملكم القديمة جداً ونضجتم أكثر.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓