الذكاء الاصطناعي يعيد رسم خريطة اللامساواة
لم يعد امتلاك هاتف ذكي أو اتصال بالإنترنت كافيًا للدخول إلى المستقبل. ظهر على الطريق سلم جديد، درجاته المعرفة والمهارة والقدرة على تحويل الذكاء الاصطناعي إلى فرصة. المفارقة أن الأداة التي تبدو متاحة للجميع لا تمنح الجميع القيمة ذاتها. تكشف دراسات حديثة أن مستخدمي الذكاء الاصطناعي التوليدي يميلون إلى أن يكونوا أصغر سنًا وأكثر تعليمًا، وأن استخدامه أكثر انتشارًا بين أصحاب الدخول والمهن والمهارات الأعلى. وفي الدول المنخفضة الدخل، يظل الحضور هامشيًا مقارنة بالدول الأكثر تقدمًا. المشهد يشبه مدينة فتحت أبوابها على طريق سريع جديد؛ السيارات كثيرة، لكن بعضها يمتلك محركات أقوى، وسائقين أكثر خبرة، وخرائط أفضل. هنا تتشكل فجوة الذكاء الاصطناعي. تبدأ من الوصول، ثم تنتقل إلى القدرة على الاستخدام، وتنتهي عند النقطة الأكثر حساسية: من يستطيع تحويل الأداة إلى قيمة؟ طالب يستخدم الذكاء الاصطناعي لفهم مادة معقدة يضيف إلى رأسماله المعرفي. وشاب يوظفه لدراسة سوق أو تطوير فكرة مشروع يقترب من فرصة اقتصادية. وموظف يحسن استخدامه يختصر الوقت ويرفع إنتاجيته. في المقابل، قد يصل شخص آخر إلى الأداة ذاتها، فتظل بالنسبة إليه مجرد مساحة للبحث السريع أو الترفيه. لهذا قد تصبح التكنولوجيا، أسرع في مكافأة من يملك أصلًا تعليمًا ومهارة ودخلًا أفضل. وقد يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة لتقليص الفوارق إلى مضاعف لها. والخطر الأكبر يقع عند الفئات الأقل حظًا: الشباب المحدودو الموارد، والعمال المعرضون لتحولات سوق العمل، والطلبة الذين تفتقر بيئاتهم إلى الدعم التعليمي، والمجتمعات البعيدة عن مراكز المعرفة والاقتصاد. هؤلاء يحتاجون إلى أكثر من جهاز واتصال؛ يحتاجون إلى القدرة على استخدام التكنولوجيا استخدامًا منتجًا. من هنا يجب أن يتغير مفهوم العدالة الرقمية. الاستثمار في البنية التحتية يبقى ضروريًا، لكن المعركة الحقيقية انتقلت إلى بناء القدرة على الاستفادة: تعليم مهارات الذكاء الاصطناعي، وإعادة تأهيل العاملين، وتمكين الشباب، ودعم المشروعات الصغيرة، وإتاحة أدوات آمنة ومنخفضة الكلفة للفئات الأضعف. فالذكاء الاصطناعي لا يعيد توزيع الفرص تلقائيًا. إنه يضخم قدرة من يعرف كيف يستخدمه. وفي السنوات المقبلة، قد لا يكون الفارق الحاسم بين من يملك التكنولوجيا ومن لا يملكها، وإنما بين من يستطيع أن يجعل الذكاء الاصطناعي يعمل لمصلحته، ومن يكتفي بمشاهدته يعمل في العالم من حوله. تلك هي الخريطة الجديدة للامساواة؛ خريطة لا ترسمها المسافة عن التكنولوجيا، وإنما المسافة بين استخدامها والقدرة على تحويلها إلى مستقبل. هذه النسخة أكثر اختزالًا وجزالة، ولا تعيد الفكرة نفسها بصيغ مختلفة. كما أن البناء ينتقل فعليًا من الظاهرة إلى الدليل، ثم إلى الفئات المتضررة، ثم الحل والاستشراف.