من عرض الرقم إلى صناعة المعرفة!
لم يعد يبهرني امتلاك الرقم المجرد في هذا الزمن الذي قلب فيه الذكاء الاصطناعي البيانات رأساً على عقب، بل أصبحت القيمة الحقيقية تكمن في القدرة على إنتاجه بدقة ومصداقية بشرية، ثم تنظيمه وربطه بغيره وتحويله إلى معرفة قابلة للاستخدام. ومن هنا تبرز أهمية المنصات وقواعد البيانات المتخصصة التي تتمتع بقدر من الرشاقة والمرونة قد يتجاوز أحياناً ما تستطيع الجهات الإحصائية الرسمية القيام به؛ ليس قصوراً في تلك الجهات، بل لاختلاف طبيعة الأدوار والاختصاصات؛ حيث تركز الأخيرة على إنتاج الإحصاءات وفق معايير ومنهجيات دقيقة، وتوفير قاعدة موثوقة لصنع السياسات والبحث العلمي. وهذا ما أكده مدير عام دائرة الإحصاءات العامة في الأردن خلال لقاء بحضور مدراء وباحثي مراكز استطلاعات رأي؛ حيث شدد على أن الجهاز الإحصائي لا يسعى إلى منافسة مراكز استطلاعات الرأي، بل إلى تنظيم البيئة الإحصائية، ومساندة المراكز، وتزويدها بالبيانات والأطر والمنهجيات التي تساعدها على أداء عملها. لمست ذلك عملياً أثناء اطلاعي على النسخة التجريبية من منصة البيانات الشاملة للشباب السعودي (youthdata.sa)؛ فالمنصة لا تكتفي بجمع الإحصاءات، بل تضم دراسات، وتقارير، ومؤسسات، وخبراء، ومبادرات، ومصادر معرفية متنوعة، مما يجعلها بيئة معرفية متكاملة حول الشباب. ورغم إيجابياتها الكثيرة، إلا أن هناك إمكانية تطويرها لتصبح أكثر من مجرد مستودع للبيانات كما يأمل فريق إعداد المنصة. ومن هنا يمكن التفكير في إنشاء «بنك استطلاعات رأي الشباب»؛ إذ توجد عشرات الاستطلاعات والدراسات في المملكة التي تناولت المجتمع بصورة عامة في موضوعات متنوعة، ومن هنا، فإنه من الممكن - متى سمحت المنهجية البحثية والإحصائية وحجم العينة والفترة الزمنية، وتعريف الفئة العمرية - استخراج نتائج الفئة الشابة من هذه الدراسات بصورة مستقلة. وبذلك فإننا لا ننتج استطلاعاً جديداً، بل نعيد اكتشاف قيمة موجودة أصلاً داخل البيانات. وعلى سبيل المثال، لو كان لدينا استطلاع وطني عن جودة الحياة، أو التمكين الاقتصادي، أو الهوية والانتماء، أو الجاهزية للمستقبل، أو الوضع الأسري والاجتماعي (وهي قضايا يُجري دراستها حالياً مركز «مرشاد» لدراسات الشباب ضمن «المؤشر الوطني لقضايا الشباب»)، فيمكن استخراج إجابات الفئة العمرية من 15 إلى 39 عاماً وعرضها ضمن المنصة تحت عنوان: ماذا قال الشباب السعودي عن هذه القضية؟ وعندها سنكون أمام فرصة حقيقية لبناء ذاكرة تراكمية لاتجاهات الشباب عبر الزمن، وهو ما حدث معي قبل سنوات عندما نشرت كتاب «ماذا قالوا لنا؟ أولويات واهتمامات الشباب الخليجي» واستخرجت آراء الشباب وقتها من نتائج مشاريع استطلاعية دولية لعامة الناس. ببساطة، سيكون من الرائع والمفيد ألا تكتفي المنصة بأن تقول للباحث: «هذه دراسة»، بل أن تقول له: «هذا ما قاله الشباب داخل هذه الدراسة»؛ فلا تتوقف عند حدود عرض الرقم، بل تساعده على فهم مصدره، وسياقه، وتطوره، ومقارنته بغيره، لتبني فوق الرقم المجرد قصةً تختصر المسافة بين البيانات وصانع القرار. فالهدف النهائي - متى سمحت الإمكانيات والصلاحيات ورشاقة المنصات - ليس أن نعرف كم عدد الشباب وأين يعيشون فحسب، بل أن نعرف أيضاً: بمَ يفكرون؟ وماذا يريدون؟ وما الذي يقلقهم؟ وكيف تتغير آراؤهم مع الزمن؟ عندها فقط، يتحول الرقم من مادة ساكنة في جدول إلى معرفة حية تساعد على الفهم واتخاذ القرار.