ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharآراء بقلم حمد مدوه

الراتب الذي يركض ولا يصل!

كيف ينعكس ارتفاع الأسعار على ميزانية الأسرة؟ قد لا يتغير الرقم المكتوب في شهادة الراتب، لكن قدرته على شراء احتياجات الأسرة قد تتراجع مع استمرار ارتفاع الأسعار عالميا. فالتضخم يظهر عندما ترتفع أسعار السلع والخدمات بوتيرة أسرع من نمو الدخول، ليجد المستهلك أن المبلغ الذي كان يكفيه لشراء احتياجاته أصبح لا يغطي إلا جزءاً منها. ويظهر هذا الأثر في فاتورة الغذاء، وتكاليف السكن والطاقة والنقل، وهي نفقات أساسية يصعب على الأسرة تأجيلها أو الاستغناء عنها. ومع استمرار ارتفاع الأسعار، تضطر الأسر إلى إعادة ترتيب ميزانياتها، وتقليص بعض المصروفات، وتأجيل مشتريات أخرى، وقد تلجأ إلى مدخراتها أو إلى الاقتراض لتغطية احتياجاتها، خصوصاً عندما تبقى الدخول ثابتة أو لا تواكب الزيادة في الأسعار. ولا يقتصر التضخم على كونه مؤشراً اقتصادياً يرتفع أو ينخفض، بل ينعكس مباشرة على القرارات اليومية. فقد تغيّر الأسرة نوعية المنتجات التي تشتريها، أو تختار بدائل أقل تكلفة، أو تقلل الإنفاق على الترفيه والسفر، لتمنح الأولوية للطعام والسكن والطاقة والتعليم والرعاية الصحية. التضخم والقوة الشرائية يُقصد بالتضخم الارتفاع العام والمستمر في أسعار السلع والخدمات خلال فترة زمنية معينة. ويُقاس عادةً من خلال مؤشرات الأسعار، ومن أبرزها مؤشر أسعار المستهلك، الذي يتابع تكلفة سلة من السلع والخدمات التي تشتريها الأسر. وتضم هذه السلة بنوداً مثل الغذاء والسكن والطاقة والنقل والخدمات، ويُمنح كل بند وزناً يعكس حصته من إنفاق الأسرة. ومن هنا تنشأ العلاقة المباشرة بين التضخم والقوة الشرائية. فكلما ارتفعت كلفة هذه السلة بوتيرة أسرع من نمو الدخل، انخفض الدخل الحقيقي؛ أي إن الأسرة تصبح قادرة على شراء كمية أقل من السلع والخدمات بالمبلغ نفسه. وقد يبقى الراتب ثابتاً من الناحية الاسمية، لكن قيمته الفعلية تتراجع إذا لم تواكب الزيادات في الأسعار. لماذا يختلف أثر التضخم بين الدول؟ لا يعيش العالم تضخماً واحداً، حتى عندما تبدو معدلات التضخم في دولتين متقاربة. فتركيب الزيادة يختلف من بلد إلى آخر وفق وزن الغذاء والطاقة والسكن في سلة الاستهلاك، ووفق درجة اعتماد الاقتصاد على الواردات، وسرعة استجابة الأجور والتحويلات الحكومية. فالسلع المستوردة والطاقة والمواد الأولية تتأثر بسعر الصرف، وقد تنتقل الزيادة من المستورد إلى المنتج المحلي ثم إلى المستهلك. وفي هذه الحالة لا تقتصر المشكلة على ارتفاع الأسعار، بل تمتد إلى صعوبة التخطيط للمصروفات والاستثمار والادخار. من أسباب التضخم إلى فاتورة المستهلك تنشأ الضغوط التضخمية عادةً من مسارين رئيسيين: الطلب والعرض. فعندما يرتفع الطلب على السلع والخدمات بما يتجاوز قدرة الاقتصاد على توفيرها، تميل الأسعار إلى الصعود. ويُعرف هذا النوع بالتضخم المدفوع بالطلب. وفي المقابل، قد يرتفع التضخم بسبب زيادة تكاليف الإنتاج أو تعطل سلاسل الإمداد أو نقص الطاقة والمواد الأولية. وعندما ترتفع تكلفة المدخلات، ينتقل جزء من هذه الزيادة تدريجياً إلى السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك. ويُعرف هذا النوع بالتضخم المدفوع بالتكاليف. فقد كشفت الاضطرابات التي شهدها الاقتصاد العالمي بعد جائحة كورونا مدى الترابط بين النقل والإنتاج والتوزيع والطاقة. فعندما تتأخر الشحنات أو ترتفع تكلفة المواد الخام أو تتراجع قدرة المصانع على الإنتاج، لا يبقى الأثر محصوراً في قطاع واحد، بل ينتقل إلى أسعار مجموعة واسعة من السلع والخدمات. الأسر الأقل دخلاً تحت ضغط أكبر لا يتوزع أثر التضخم بالتساوي بين الأسر. فالأسر الأقل دخلاً تنفق عادةً نسبة أكبر من مواردها على الاحتياجات الأساسية، مثل الغذاء والسكن والطاقة والنقل، ولا تملك مساحة واسعة لتقليص هذه النفقات. كما أن قدرتها على الشراء بالجملة أو الانتظار حتى انخفاض الأسعار أو تكوين مدخرات للطوارئ تكون محدودة في كثير من الحالات. تشير دراسة صادرة عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، إلى أن ارتفاع التضخم كان أكثر إرهاقاً للأسر المنخفضة الدخل والمستأجرين والأسر التي لديها أطفال، لأن هذه الفئات تكون أكثر تعرضاً لارتفاع تكاليف الاحتياجات الأساسية وأقل قدرة على امتصاص الصدمات السعرية. سياسات الحماية والاستقرار يختلف غلاء المعيشة عن التضخم، رغم استخدام المصطلحين أحياناً بالمعنى نفسه. فالتضخم يقيس معدل تغير الأسعار بصورة عامة، بينما يشير غلاء المعيشة إلى مقدار الزيادة في الكلفة اللازمة للحفاظ على مستوى معيشي معين. وقد يرتفع متوسط الأسعار بالمعدل نفسه لدى الجميع، لكن أثره الفعلي يختلف وفق الدخل ونمط الاستهلاك والالتزامات الشهرية. ولهذا تركز سياسات الحماية الأكثر دقة على دعم الأسر الأكثر هشاشة، بدلاً من تقديم دعم شامل قد يكون أعلى كلفة وأقل استهدافاً. ويمكن أن تشمل هذه السياسات التحويلات النقدية الموجهة، ودعم الغذاء أو السكن عند الحاجة، وتعزيز المنافسة، ومراقبة الأسواق، وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد، إلى جانب حماية الدخول من التآكل عندما تستمر الأسعار في الارتفاع. إضافة الى أن وضوح البيانات الاقتصادية وشرح أسباب تغير الأسعار تساعد على تهدئة التوقعات والحد من القرارات العاجلة، مثل تخزين السلع أو رفع الأسعار تحسباً لزيادات مستقبلية. وعندما تستطيع الأسر التخطيط لنفقاتها، وتتمكن الشركات من التسعير والاستثمار في بيئة أكثر وضوحاً، يصبح تجاوز آثار التضخم أكثر استدامة.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓