(حقائق وأوهام)
قَالُوا: السَّعِيدُ كَثِيرُ الْجَاهِ وَالْمَالِ قُلْتُ: السَّعِيدُ سَلِيمُ الْقَلْبِ وَالْبَالِ قالوا: الفقيرُ أسيرُ الهمِّ مكتئبٌ يَطوي اللياليَ على بؤسٍ وإقلال قُلْتُ: السَّعَادَةُ أَرْوَاحٌ مُنَوَّرَةٌ تَحْيَا مُرَفْرِفَةً مِنْ دُونِ أَغْلَالِ قَالُوا: ذَوُو الْأَمْوَالِ في رَغَدٍ وفِي سَعَةٍ يُسْقَوْنَ شهدا وَفِي تَرَفٍ وَإِقْبَالِ قُلْتُ: الرِّضَا غُرَفٌ طَابت مساكنُها أَرِيجُهَا مِسْكٌ يبقى لأَجْيَالِ قَالُوا: أَتَبْنِي عَلَى الْأَوْهَامِ فَلْسَفَةً وتَدْفِنُ الْعُمْرَ فِي وَهْمٍ وَأَوْحَالِ؟ قُلْتُ: لَا وَهْمٌ وَلَا وَحْلٌ يصاحبني وَمَنْ أَجَلَّ نَفْسَهُ يَحْظَ بِإِجْلَالِ وَلَا تُغْنِي كُنُوزُ الْأَرْضِ صَاحِبَهَا إِنْ عَاشَ مَوْجُوعًا يَعْيا بِأَحْمَالِ فَكَمْ فَقِيرٍ رَأَى فِي الكُوخِ مَمْلَكَةً وَكَمْ غَنِيٍّ هَوَى مِنْ سُوءِ أَفْعَالِ قَالُوا: حَسِبْتَ شُمُوسَ الْكَوْنِ بَازِغَةً فَبِتَّ تَخْلِطُ أَوْهَامًا بِآمَالِ فَقُلْتُ كَلَّا، وعَيْنُ الْقَلْبِ مُبْصِرَةٌ تَرَى الثَرَاءَ رضاء النفس والبال يَفْنَى الْمُلُوكُ ولو تَعْلو مَنَازِلُهُمْ ويبقى عِطْرُ الرِّضَا أَسْمَى مِنَ الْمَالِ