عشرة آلاف شريك وافد.. وثغرة لم يحسمها قانون التستُّر التجاري
منذ سنوات، تتعامل الجهات الرقابية في الكويت مع ملف حملة إقامة العمل مادة 18 الذين يظهرون في السجلات التجارية شركاء أو شركاء مديرين. موقف الهيئة العامة للقوى العاملة في هذا الملف كان واضحاً ومباشراً: لا يجوز أن يجمع الشخص بين صفتي «عامل» و«صاحب عمل» في آنٍ واحد. فالعامل على مادة 18 مرتبط بعقد عمل تابع لصاحب عمل، وهذا يفترض علاقة تبعية، بينما صفة الشريك تفترض أنه هو نفسه رب العمل أو أحد أصحابه. الجمع بين الصفتين، وفق هذا الموقف، تناقض قانوني لا يستقيم. المشكلة أن هذا الموقف، رغم وضوحه، لم يستند يوماً إلى نص قانوني صريح. هو موقف إداري وتنظيمي، صدر عبر توجيهات وزارة التجارة والهيئة العامة للقوى العاملة، وليس مادة في قانون منشور يمكن الرجوع إليها مباشرة عند النزاع. ووفق بيانات الهيئة، يوجد نحو عشرة آلاف وافد يحملون إقامة عمل مادة 18 حصلوا على صفة شريك أو شريك مدير، في نحو خمسة وأربعين ألف ترخيص تجاري. جاء المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 2026 بشأن مكافحة التستر التجاري، الصادر في أغسطس 2026، ليشكّل الفرصة الأنسب لحسم هذه المسألة بنص صريح. القانون عرّف التستر التجاري تعريفاً واسعاً: تمكين أي شخص من ممارسة نشاط اقتصادي محظور عليه، سواء لحسابه الخاص أو بالشراكة مع الغير، أو الالتفاف على نسب الملكية المقررة قانوناً للأجانب. وحظر على أي شخص ممارسة نشاط اقتصادي دون ترخيص، وحظر تمكين الغير من ذلك عبر استخدام الاسم التجاري أو الترخيص أو السجل التجاري. لكن حين نبحث عن نص محدد يتناول حالة حامل مادة 18 الذي يعمل موظفاً ظاهرياً بينما هو شريك فعلي في الوقت نفسه - لا نجده. القانون استحضر قانون إقامة الأجانب كأحد مرجعياته في الديباجة، أي أن واضعيه كانوا مدركين لمنظومة الإقامة، ومع ذلك لم يفردوا لهذه الحالة مادة صريحة، بل تركوها ضمن تعريف عام فضفاض قد يشملها ضمناً إن ثبتت نية «الالتفاف»، وقد لا يشملها إن غاب هذا الإثبات. هنا يُطرح السؤال: هل هذه الثغرة متعمّدة أم سهو أم إخفاق تشريعي؟ إن كانت متعمّدة، فربما كان القصد ترك الباب مفتوحاً لمرونة التطبيق الإداري دون تقييد النص بحالة بعينها، أو تفادي الدخول في تفاصيل تخص قانون الإقامة ضمن قانون عام عن التستر. وإن كانت سهواً، فهو سهو مكلف: قانون يحمل عقوبات جسيمة (حبس يصل إلى ثلاث سنوات وغرامة تصل إلى مئة ألف دينار ومصادرة وإبعاد) كان يستحق معالجة صريحة لأكثر الحالات شيوعاً في السوق، وهي حالة عشرة آلاف وافد مسجلين كشركاء. وإن كانت إخفاقاً، فمرده أن الاعتماد على تعريف فضفاض لـ«الالتفاف على نسب الملكية» يترك تفسير النص لاجتهاد الجهات الرقابية والقضاء حالة بحالة، بدل أن يوفر يقيناً قانونياً لأصحاب الأعمال والمستثمرين. النتيجة العملية أن رجل الأعمال أو الشركة التي تتعامل مع هذا الملف تجد نفسها اليوم أمام مسارين قانونيين منفصلين وغير مترابطين نصياً: التوجيهات الإدارية لهيئة القوى العاملة من جهة، وقانون التستر التجاري الجديد من جهة أخرى. وبينهما فراغ تفسيري لم يُسدّ بعد، في وقت لم تصدر فيه بعد اللوائح التنفيذية للقانون الجديد (الذي لا يبدأ سريانه إلا بعد ستة أشهر من نشره). المطلوب اليوم ليس مزيداً من التوجيهات الإدارية المتفرقة، بل نصاً قانونياً صريحاً - إما في اللائحة التنفيذية المرتقبة لقانون التستر، وإما في تعديل لاحق - يحسم بوضوح: هل يُعد جمع صفتي العامل والشريك تحت إقامة مادة 18 صورة من صور التستر التجاري أم لا؟ فالوضوح التشريعي هنا ليس ترفاً، بل ضمانة لتكافؤ الفرص واستقرار بيئة الأعمال التي يقول القانون نفسه إنه جاء لحمايتها.