أخطر ما في الذكاء الاصطناعي.. أن يقنعك بأنك على حق
ربما يبدأ الذكاء الاصطناعي في تغيير طريقة اتخاذنا للقرارات من سؤال بسيط جداً: هل أنا مخطئ؟ نكتب السؤال بعد خلاف، أو قرار مهني. نحكي روايتنا، فتأتي الإجابة بسرعة، مرتبة ومقنعة. نشعر أن الصورة اتضحت، وأن موقفنا أصبح أكثر منطقية. عند هذه النقطة يأخذ الذكاء الاصطناعي دوراً مختلفاً؛ فقد نستخدمه للبحث عن الحقيقة، بينما نبحث في أعماقنا عن إجابة تطمئننا إلى ما قررناه مسبقاً. القرار الجيد يحتاج إلى معلومات، لكنه يحتاج أيضاً إلى الشك. يحتاج إلى شخص يسأل عن التفاصيل الغائبة، ويضع احتمالاً لم نفكر فيه، ويقول لنا إن روايتنا قد تكون ناقصة. أحياناً تكون أفضل خدمة يقدمها لنا الآخر أن يربك يقيننا. وهنا يلتقي علم النفس السيبراني بالاقتصاد السلوكي. فالإنسان يميل إلى الانحياز التأكيدي؛ يبحث عن المعلومات التي تنسجم مع أفكاره، ويمنحها وزناً أكبر عندما تؤكد موقفه. ومع الذكاء الاصطناعي أصبحت عملية البحث عن التأكيد أسرع وأكثر راحة. تستطيع أن تواصل الحوار حتى تصل إلى صياغة تشعرك بأن قرارك مدعوم بمنطق متماسك. أخطر ما يمكن أن يفعله الذكاء الاصطناعي بقرارك أن يمنح انحيازك لغة تبدو عقلانية. تخيل موظفاً يعود إلى منزله بعد خلاف مع مديره. يروي للذكاء الاصطناعي ما حدث من وجهة نظره، ثم يطلب منه تقييم الموقف. يحصل على تحليل مرتب ونصائح للرد. قد تكون مفيدة، لكن ماذا لو كانت هناك تفاصيل لم يذكرها؟ ماذا لو كان انفعاله قد غيّر طريقة روايته؟ وماذا لو خرج من المحادثة أكثر يقيناً بقرار الاستقالة؟ المشكلة هنا لا تتعلق بذكاء الآلة، وإنما بطريقة استخدامها. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة ممتازة لاختبار القرار: ما الحجج التي تعارضني؟ ما المعلومات التي تنقصني؟ ما أسوأ احتمال؟ مع انتقال الذكاء الاصطناعي إلى قرارات الشراء والاستثمار والعمل والعلاقات. كلما ازدادت الثقة في الإجابة، ازدادت قدرتها على التأثير في السلوك. وقد يتحول الحوار من مساحة لاستكشاف الخيارات إلى غرفة صدى شخصية، يسمع فيها الإنسان أفكاره وقد عادت إليه أكثر ترتيباً وثقة. حتى في العلاقات، قد تصبح الآلة مستشاراً دائماً. نحكي لها الخلاف، فتساعدنا على تفسير مشاعرنا وصياغة موقفنا. ومع تكرار اللجوء إليها، قد يبدو الإنسان الذي يختلف معنا أقل راحة من آلة تعرف كيف تستجيب لنا. هنا تظهر قيمة الاختلاف البشري مرة أخرى. فالصديق الذي يسأل، والشريك الذي يعترض، والزميل الذي يشكك في تقديرنا، يضيفون إلى القرار شيئاً ثميناً: احتمال أن نكون مخطئين. في عصر الإجابات الفورية، قد تصبح مهارة التريث أكثر قيمة من سرعة الوصول إلى الإجابة. لذلك، قبل أن نسأل الذكاء الاصطناعي: هل قراري صحيح؟ ربما يجدر بنا أن نسأله سؤالاً أصعب: ما الذي قد يجعلني مخطئاً؟ فالآلة تستطيع أن تساعدنا في اتخاذ القرار، لكن جودة القرار تبدأ من السؤال الذي نختار أن نطرحه عليها.