شراكة مصر والكويت تدخل حقبة «التواصل الفاعل»
أحيانًا تختصر عبارة واحدة طبيعة علاقة كاملة. وربما كان تعبير ولي عهد الكويت الشيخ صباح خالد الحمد الصباح عن «استمرار التواصل الفاعل» بين الكويت ومصر واحدًا من هذه التعبيرات التي تستحق التوقف. فالكلمات، في هذا التوقيت تحديدًا، تبدو أبعد من مجرد صياغة دبلوماسية، وتحمل دلالة على رغبة مشتركة في الانتقال بالعلاقة من رصيدها التاريخي الكبير إلى مرحلة أكثر انتظامًا وفاعلية. جاءت رسالة ولي العهد خلال استقباله الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء المصري، في نيويورك، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. ونقل مدبولي تحيات الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى أمير الكويت الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، مؤكدًا توجيهاته الدائمة بدفع العلاقات المصرية– الكويتية إلى مزيد من التعاون. وفي المقابل، أكد ولي عهد الكويت عمق العلاقات التاريخية والأخوية بين البلدين، وحرص بلاده على دعم التعاون في مختلف المجالات وتعزيز التنسيق المشترك، مشيدًا بما حققته مصر من طفرة تنموية خلال السنوات الأخيرة رغم التحديات الإقليمية والدولية. لكن العبارة الأكثر دلالة تظل «التواصل الفاعل»، الكويت ومصر لا تحتاجان إلى اكتشاف العلاقة بينهما من جديد. هذه علاقة لها جذور عميقة، واختبرتها عقود من التحولات والأزمات، وظلت محتفظة بدرجة لافتة من الاستمرارية والثقة. ولذلك فإن الحديث عن التواصل لا يعني استئناف علاقة متوقفة، وإنما يعني تطوير أدوات علاقة قائمة بالفعل، بحيث تصبح الاتصالات والتنسيق جزءًا دائمًا من إدارة المصالح والتحديات المشتركة. وهنا تكمن خصوصية العلاقة.. الكويت تنظر إلى مصر باعتبارها دولة عربية ذات ثقل سياسي وإقليمي، بينما تنظر القاهرة إلى الكويت باعتبارها شريكًا خليجيًا يتمتع بأهمية خاصة، ليس فقط بسبب إمكاناته الاقتصادية، وإنما أيضًا بسبب تجربته الدبلوماسية ونهجه القائم على الحوار والاتصال. ولعل ما قاله مدبولي خلال اللقاء بشأن أمن الكويت ودول الخليج يكشف جانبًا مهمًا من هذه العلاقة. فقد أكد أن أمن الكويت والخليج العربي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، وأن مصر ترفض أي اعتداءات تطال الكويت أو دول الخليج، وتؤكد تضامنها الكامل معها. هذه الرسالة تكتسب أهمية مضاعفة في ظل البيئة الإقليمية الراهنة. المنطقة تعيش مرحلة تتشابك فيها الأزمات بصورة غير مسبوقة، من غزة إلى أمن الخليج والملاحة والبحر الأحمر، ومن التوترات الإيرانية– الأميريكية إلى التحولات الأوسع في النظام الدولي. وفي مثل هذه الظروف، تصبح قنوات الاتصال بين الدول العربية عنصرًا من عناصر الاستقرار، وليس مجرد نشاط دبلوماسي تقليدي. ومن هنا يمكن فهم أهمية دعوة ولي عهد الكويت إلى «التواصل الفاعل». فالأزمات الكبرى لا تُدار بالبيانات وحدها، وإنما تحتاج إلى اتصالات مستمرة، وتبادل المعلومات، وتنسيق المواقف، وفتح مساحات للحوار، خصوصًا بين الدول التي تمتلك رصيدًا من الثقة المتبادلة. وهذه الثقة هي واحدة من أهم عناصر القوة في العلاقة المصرية–الكويتية. لقد ظلت الكويت، على مدى عقود، واحدة من الوجهات الرئيسة للمصريين في الخليج، وأصبحت الجالية المصرية جزءًا من النسيج الاجتماعي والاقتصادي للكويت. وفي المقابل، شكلت الاستثمارات الكويتية في مصر أحد المكونات المهمة للعلاقات الاقتصادية بين البلدين، بينما تتطلع الشركات المصرية إلى زيادة حضورها في السوق الكويتية. لكن من الخطأ اختزال العلاقة في الاقتصاد وحده. فالاستثمار والتجارة يمكن أن يتراجعا أو يتصاعدا وفقًا للظروف، بينما العلاقات السياسية والشعبية بين مصر والكويت تمتلك رصيدًا أعمق. وربما لهذا السبب تحدث ولي عهد الكويت عن «العلاقات التاريخية والأخوية»، قبل أن يتحدث عن الاتفاقيات والتعاون في القطاعات المختلفة. وهي حقيقة نجحت في اختبار الزمن. وفي الوقت نفسه، تحمل إشادته بما حققته مصر من طفرة تنموية رسالة مهمة. فالكويت لا تنظر فقط إلى مصر باعتبارها طرفًا سياسيًا في أزمات المنطقة، وإنما تتابع أيضًا التحولات التي تشهدها الدولة المصرية اقتصاديًا وتنمويًا. وهذا يفتح الباب أمام شراكات جديدة تتجاوز الاستثمار التقليدي إلى مجالات الصناعة والطاقة والبنية الأساسية والخدمات والتكنولوجيا وغيرها. وهنا يصبح السؤال الحقيقي: ماذا يمكن أن يعني «التواصل الفاعل» في المرحلة المقبلة؟ قد يعني أولًا انتظامًا أكبر في التشاور السياسي، خصوصًا بشأن الملفات الإقليمية التي تمس أمن البلدين ومصالحهما. وقد يعني ثانيًا ترجمة خصوصية العلاقات السياسية إلى مشروعات اقتصادية أكثر طموحًا. وقد يعني ثالثًا توسيع مجالات التعاون بين القطاع الخاص في البلدين، بحيث يصبح التكامل الاقتصادي أكثر اتساعًا وأقل اعتمادًا على المبادرات الحكومية وحدها. لكن هناك معنى أوسع. ففي عالم عربي يواجه أزمات متزامنة، تحتاج العواصم العربية إلى بناء شبكة من العلاقات القادرة على العمل حتى في أصعب الظروف. ومصر والكويت تمتلكان عناصر مهمة تسمح لهما بأن تكون علاقتهما نموذجًا لهذا النوع من الشراكات: ثقة سياسية، روابط شعبية، مصالح اقتصادية، وتجربة طويلة في التعامل مع أزمات المنطقة. ولذلك، فإن عبارة ولي عهد الكويت ليست مجرد توصيف للعلاقة الراهنة، بل يمكن قراءتها باعتبارها دعوة إلى الاستثمار في رصيدها التاريخي. لقد تغيرت المنطقة، وتغير العالم، لكن بعض العلاقات تكتسب قيمتها الحقيقية من قدرتها على التكيف مع التغيير من دون أن تفقد جوهرها. وهذا تحديدًا ما يبدو أن القاهرة والكويت تسعيان إليه: الحفاظ على خصوصية العلاقة، مع منحها أدوات جديدة تتناسب مع تحديات الحاضر والمستقبل. وربما لهذا تبدو عبارة «التواصل الفاعل» أكثر من مجرد كلمات في بيان دبلوماسي. إنها تعبير عن قناعة بأن العلاقات القوية لا تُقاس فقط بعدد الاتفاقيات أو الزيارات، وإنما بقدرتها على إنتاج تفاهم مستمر، وتنسيق عملي، ومصالح مشتركة. ويبقى أن شراكة مصر والكويت تدخل مرحلة جديدة؛ ليس لأنها تبدأ من الصفر، وإنما لأنها تمتلك رصيدًا تاريخيًا كبيرًا يسمح لها بأن تبدأ من نقطة أكثر تقدمًا: من الثقة إلى التواصل، ومن التواصل إلى شراكة أكثر فاعلية. وعلى الجميع أن يترقب نقلة كبرى في علاقات مصر والكويت.