ذاكرة الكويت الصحفية آخر الأخبار
annaharآراء بقلم د. علي محمد فخرو

أدوات إعداد الانعطافة الاقتصادية العربية الجديدة

دعنا نختتم سلسلة المقالات المتعلقة بضرورة العمل من أجل انعطافة اقتصادية عربية جديدة، بينا بعضاً من أسسها ومنطلقاتها وأهدافها وتفاعلها مع الواقع العربي من جهة ومع المطروح والمطبق عالمياً من جهة أخرى، نختتم بطرح السؤال التالي: من هي القوى الأداتية التي ستضع استراتيجية تفصيلية شاملة لتلك الانعطافة لتكون هدفاً نضالياً عربياً وجزءاً مكملاً للمشروع النهضوي العربي المطروح منذ عقود عدة من قبل بعض المفكرين وبعض مراكز الفكر العروبي. لقد كنا نتمنى لو أن مؤتمرات قمم أنظمة الحكم تبنّت المشروع وعهدت صياغته إلى مجموعة منتقاة من المسؤولين المعنيين والمفكرين والناشطين المهتمين في مؤسسات المجتمع العربي المدنية لتتبنّاه بعد ذلك كاستراتيجية عربية مشتركة، خصوصاً وأن هناك محاولات مماثلة سابقة قد جرى تبنيها تحت سقف الجامعة العربية في ثمانينات القرن الماضي، ولكن مع الأسف تعثرت في حينها. ولذلك لدينا الشك في إمكانية القيام بذلك من قبل تلك المؤسسات الرسمية بسبب أوضاع مؤسسة القمة العربية وأوضاع الجامعة العربية وإرادتها السياسية التي تراجعت كثيراً خلال العقود الأربعة الماضية بسبب الانقسامات والصراعات والولاءات الخارجية ودخول الكيان الصهيوني كلاعب مؤثر ومخرّب في الشؤون العربية المشتركة ومؤسساتها. وإلى حين تعافي مؤسسات العمل العربي المشترك الرسمية في المستقبل واسترجاع قوة إرادتها الذاتية القومية، نحتاج أن ننظر في إمكانية وجود جهات أخرى غير رسمية قادرة على أن تتبنى هذه الانعطافة كشعار سياسي في نضالاتها المختلفة وعلى شتى مستوياتها. في اعتقادي أن الجهة التي ستكون قادرة على التبني والنضال من أجل التطبيق، ولو كان بالتدريج التراكمي، ستكون الكتلة الشعبية العربية التعاونية المتناسقة المكونة من مجموعات من مؤسسات المجتمعات المدنية العربية، من مثل الأحزاب السياسية والنقابات العمالية والجمعيات المهنية والأهلية والأفراد المناضلين المتميزين في مواقفهم ونشاطاتهم، والمماثلة إلى حد بعيد للكتلة التاريخية التي طرحها المناضل اليساري الإيطالي الشهير، غرامشي، منذ أكثر من ثمانية عقود. إن تبني هكذا كتلة نضالية، فيما لو قامت إن شاء الله وتبنت شعارات المشروع النهضوي، بما فيه شعار الانعطافة التي تحدثنا عن العديد من جوانبها عبر عدد من المقالات عبر الأسابيع الماضية، وتبنّته كشعار نضالي مستمر ومتصاعد وتراكمي، سيسهم في إقناع أنظمة الحكم العربية بتبنّيه هي أيضاً واعتباره أحد مفاتيح التقدم العربي وخروج كل الأقطار العربية من حالة التخلف التي يعيشها العرب والمسلمون منذ قرون عدة. ومع ذلك دعنا نشير إلى بعض المحاذير وبعض المتطلبات التي من الضروري أن تكون دراستها عملية موازية لجهود تلك الجهات المدنية والرسمية التي ستقوم بهذه المهمة المعقدة الصعبة. فلن يكون مثلاً سهلاً تجنّب وقوع الفكر الاقتصادي العربي الجديد في تأثيرات المقاربات النظرية الأوروبية والأميركية في ساحة علوم الاقتصاد وكثرة تناقضاتها ومدارسها. ذلك أن من المعروف أن دراسة أسباب الثورة الصناعية هي التي فتحت المجال لإنتاج أدبيات اقتصادية موسوعية في تلك المنطقتين، بينما أن البلاد العربية لم تدخل بعد في ثورتها الصناعية حتى تستفيد من دروسها وعبرها وبعض مداخلها العلمية والتطبيقية. ذلك أن كثيراً من تلك الأدبيات قد بقيت إجمالاً غير مدروسة أو مستوعبة في الوطن العربي. وحتى لو أريد الاستفادة من تجارب النمو والفكر الاقتصادي عند البلدان الأسيوية من مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان والصين أخيراً فان جورج قرم يؤكد أن الفكر العربي الحديث لم يتناول هذه الظاهرة بدراسات جادة ولم يطور معارف نوعية بالآليات التي سمحت لتلك البلدان الآسيوية الخروج من تخلفها الاقتصادي بالصورة المبهرة التي شاهدها العالم كله. وهكذا فلن تكون هذه المهمة التي نتحدث عنها، وهي مهمة تاريخية حضارية وجودية، مهمة سهلة ولا عابرة، ولا مهمة في الأساس لاختصاصيين اقتصاديين، وإنما ستحتاج إلى تكاتف أخصائيين في علوم الاجتماع الواسع مع أخصائيين في العلوم الطبيعية والتكنولوجية بأشكالها المختلفة. ولكن إن صحّت الإرادة والعزيمة فلن يصعب أي شيء.

آخر الأخبار المصدر الأصليّ
تم نسخ الرابط ✓